بينما تتواصل عملية إزالة الركام والحطام اللذين خلفتهما أحداث الشغب الأخيرة في بريطانيا، وتسود أجواء الحداد على القتلى ويتم علاج الجرحى، فإن السؤال الذي يطرح نفسه على كل شريف هو كيف يمكن لبريطانيا أن تمنع حدوث مثل هذه الفظائع مجدداً؟
يعد الحفاظ على النظام الاجتماعي والاستقرار الوظيفة الأولى للحكومة، وقد كان للاختفاء المفاجئ للسلام الذي نتوقعه جميعاً مفزعاً، وما من مجتمع ينبغي ان يضطر إلى خوض غمار تجربة كتلك التي حولت مناطق لندن ومانشستر وبيرمنغهام إلى مناطق حرب. ومما يحسب لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أنه بدا متفهماً لخطورة الموقف وللفرصة التي يتيحها للقيام بتغيير جذري في العلاقة بين قوى القانون والنظام، وأولئك الذين سينهبون ويسرقون ويقضون على السلم المدني.
وقد أدت أحداث الشغب إلى تعرية أوجه القصور في منهاج التعاون برفق من جانب رجال الشرطة مع المجرمين، وأياً كان ما أظهرته الفوضى خلافاً لذلك فقد أظهرت أن بريطانيا لا تريد أن تكون اليد العليا لمن لا يكنون احتراماً لحياة الآخرين وأملاكهم، وسياسة الحكومة ينبغي أن تكون قائمة على أساس هذه الحقيقة.
وقد شدد كاميرون في مقابلة أجريت أخيراً، معه على أهمية تحسين عمل الشرطة في المدن البريطانية، وهو محق أيضاً في الإشارة إلى أن هناك تغيرات اجتماعية عميقة، مثل عدد الأبناء الذين تربيهم العائلة من دون إشراف فعال من الأبوين، أو من دون أي انضباط من أي نوع، وهو الأمر الذي له دور في جعل اندلاع الشغب ممكناً، ولكن مخاطبة أي مشكلات اجتماعية عميقة ستستغرق جيلاً أو جيلين.
غير أن سلطات الشرطة وفعالية المحاكم في معاقبة الجناة هما أمران مختلفان تماماً. وكما أشار بيل براتون رئيس الشرطة السابق في لوس أنجليس ونيويورك، والرجل الذي أراد كاميرون أن يكون المفوض المقبل لقوة شرطة العاصمة البريطانية، فإن المجرمين يحتاجون إلى الخوف من الشرطة، وقد كان أحد أسباب تصاعد العنف والنهب أن الكثيرين من الضالعين فيهما كانوا أبعد ما يكونون عن الخوف، وأرادوا بدلًا من ذلك أن يتحدوا الشرطة، مفترضين أن رجالها ستتم إخافتهم بيسر، وسيترددون في استخدام سلطاتهم. وعلى امتداد ليلتين كاملتين كان هذا هو على وجه الدقة ما حدث. ولم تتم استعادة النظام إلا بعد اتخاذ قرار بإغراق لندن بـ 16 ألف رجل شرطة وجهت إليهم التعليمات بألا يتراجعوا، وأن يبادروا إلى إلقاء القبض على القائمين بعمليات النهب.
والأمر الأكثر صعوبة هو كيف سيتحمل نظام السجون في بريطانيا إصدار أحكام بمدد أطول على المجرمين المدانين؟ فقد اتخذ التحالف الحاكم في بريطانيا قراراً بعدم زيادة أعداد الأماكن المتاحة في السجون، ويرجع ذلك في أحد جوانبه إلى أن تكلفته ستكون باهظة، وقد كانت سياسة الحكومة البريطانية أن تحل العديد من البدائل المتعلقة بخدمة المجتمع محل مدد السجن القصيرة، وربما يرغب رئيس الوزراء البريطاني الآن في إلغاء تلك السياسة.
ولكن إذا لم توجد أماكن في السجون، فإنه سيكون من الصعب إرسال مزيد من الناس لأوقات أطول إلى هناك. وهذه هي الحلقة الضعيفة في سياسة كاميرون حيال القانون والنظام. وأي وعد بالتعامل بمزيد من الصرامة مع منتهكي القانون يخاطر بالتعرض للتقويض بفعل نقص الأماكن في السجون. على الرغم من ذلك فإن نية كاميرون الواضحة بالبدء في إضفاء الطابع الحضاري على شوارع بريطانيا هي أمر مشجع، والإجراءات التي اتخذها بالفعل هي خطوة أولى فعالة على الطريق للتأكد من أن المدن البريطانية لن تقع مجدداً في أيدي اللصوص والبلطجية، ونحن ممتنون لذلك.