في وسط النيران التي اندلعت في أرجاء لندن، حصدت أعمال الشغب روح أولى الضحايا. وبالتالي، لم تعد تشكل تهديداً للأحياء والممتلكات فحسب، بل للأرواح أيضاً. وفي ظل مشاهد العنف، التي تشكل وصمة عار على جبين لندن والشعب البريطاني بأكمله، لا بد للشرطة البريطانية من التحرك.
لم يكن حفظ الأمن في المجتمع البريطاني بالأمر الصعب عندما كان استخدام القوة حكراً على أفراد الشرطة. أما في الأيام الماضية، فقد تلاشت معالم ذلك الاحتكار، وأصبحت الشرطة، كما يبدو، تخشى استخدام قوتها.
وعلى الرغم من اعتقال ما يزيد على 500 شخص، فإن الأوامر التي تتلقاها شرطة العاصمة بــ«الوقوف والتفرج» زادت من جرأة اللصوص الصغار، الذين بدوا أبعد ما يكونون عن الشجاعة، عندما التقطت الكاميرات صورهم.
ويرى المراقبون أن وصف هذه الأعمال بالاحتجاجات ليس صائباً، لأن ذلك عادة ما يوحي بوجود قضية ما. غير أن ما يحصل في المدن البريطانية، من سطو وتخريب وحرق ونهب، هو عنف لا مسوغ له. ويتجلى جبن المشاغبين وخستهم في الفيديو الذي تم نشره على موقع «يوتيوب»، والذي يظهر فيه رجل أسود واضعاً ذراعه على كتف صبي آسيوي مصاب، مدعياً أنه يواسيه، بينما يقوم شريكه الأبيض بنهب حقيبة ظهر الصبي. ولا يستطيع أحد أن يرى الدم يسيل على وجه الصبي المذهول دون أن يستشيط غضباً. لا يستحق الأشخاص العاديون معاملة كهذه.
ولا يعد «الحرمان» تبريراً مقنعاً بالنسبة لأصحاب المتاجر، الذين عانوا الأمرين على مدى سنوات طويلة لتأسيس عمل متواضع يؤمن لهم قوتهم اليومي. ولا بالنسبة لمؤسسة «كاربترايت»، التي أتت عليها النيران، والتي لطالما ساهمت في مشاريع خيرية، ووعدت بمساعدة المشردين.
وبالنسبة للشرطة، فإن جزءاً من هذه القضية عبارة عن مسألة أرقام، فهم بحاجة لتشكيل قوة ساحقة كفيلة بقمع العنف. وقد صرح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن عدد رجال الشرطة المنتشرين في شوارع لندن سيصبح 16 ألفاً، بدلاً من الثلاثة آلاف الذين ثبت أن عددهم لا يكفي لضبط أعمال الشغب. ويمثل ذلك الرقم زهاء نصف قوة شرطة العاصمة، ويتضمن عناصر من قوات أخرى. وبالتأكيد، فإن هؤلاء الرجال والنساء الشجعان بحاجة إلى دعم قوي من عامة الناس. كما يحتاجون إلى قادة مرنين ليتمكنوا من مجاراة السرعة الهائلة التي تتنقل بها الاضطرابات من مكان إلى آخر، وذلك بمساعدة الشبكات الاجتماعية.
إنه لمن المخزي أن يكون منصب مفوض شرطة العاصمة شاغراً. إلا أن القائم بأعمال مفوض الشرطة تيم جودوين وعد بالتحلي بقدر كبير من العزيمة والثبات.
وقد ناشد سكان لندن بإفساح الطريق للشرطة ليتمكنوا من القيام بعملهم. إن قرار استخدام المركبات المدرعة لتفريق الحشود في منطقة لامبيث لم يكن صائباً. في حين يشكل استخدام الرصاص المطاطي والهراوات وسيلة أسرع لفض التجمعات، وأقل تسبباً في الأضرار الجانبية من خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع. وينبغي على أفراد الشرطة ألا يبدوا أي نوع من التساهل مع أولئك المقنعين الذين يعمدون إلى إخفاء هويتهم.
وذكرت وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي أن الشرطة البريطانية لا تفرض سلطتها باستخدام خراطيم المياه، وإنما برضا عامة الناس. وبشكل عام، فإن وزيرة الداخلية محقة في قولها ذلك. إلا أنه في الوقت الراهن، ليست المسألة مسألة رضا العامة. وعلى مدى السنوات الماضية، تلقت الشرطة البريطانية انتقادات عدة، ولا يزال يثقل كاهلها احتمال أن تواجه تحدياً قانونياً. ومع ذلك فإنها، بموافقة من الغالبية العظمى من الناس، مطالبة باستعادة احتكارها للقوة بلا أدنى تردد.