صفقة رفع سقف الدين الأميركي والأسلوب المسرحي الذي تم التوصل إليها من خلاله، تدعو إلى ضرورة الالتزام بتواضع جديد فيما يتعلق بالدور الذي تلعبه الولايات المتحدة على مستوى العالم. وقد يكون لأسلوب ليّ الذراع الذي استخدمته واشنطن لتصل إلى هذه الصفقة، فضلاً عن تفاصيلها، أثر إيجابي واحد، وهو أنه قد يجبر الولايات المتحدة على أن تتحلى بقدر أكبر من التواضع فيما يتعلق بدورها القيادي.

وبالتأكيد، فقد أصبح التواضع أمراً لا بد منه بعد الطريقة الشبيهة بالسيرك التي نجح من خلالها الكونغرس والبيت الأبيض في رفع سقف الديون وتفادي العجز التاريخي الأميركي عن سداد الديون. وقد تشكل عملية التطهير السياسي «لحظة تذكر بأزمة السويس» بالنسبة لأميركا، وهي اللحظة التي تدرك فيها أنها ليست القوة التي كانتها من قبل. (أثناء أزمة قناة السويس عام 1956، لم تجد بريطانيا وفرنسا مفراً من الاعتراف بأنهما لم تعودا القوتين الإمبرياليتين اللتين تحددان مسار الأحداث).

بل إن الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو القائد الذي يفضل «القيادة من الخلف"، نفض يديه من هذا النموذج الحقيقي لــ«الحكومة العاجزة وظيفياً».

وقد عكست مرثاته أصداء تعليقات خارجية. حيث وصفت الصين التصعيد السياسي بالتصرف «غير المسؤول بشكل خطير». فيما أشار رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين إلى ديون الولايات المتحدة على أنها «طفيل» يعيش على الاقتصاد العالمي، كما أشار إلى صفقة الديون بأنها ببساطة وسيلة لكسب الوقت إلى حين ابتكار «حل أكثر منهاجية». أما صحيفة «لوموند» الفرنسية فذكرت أن أكثر الدول قوةً تحولت إلى «أضحوكة».

في الواقع، قد يتم خفض التصنيف الائتماني لسندات خزينة أبرز الاقتصادات العالمية من AAA، وهو أعلى التصنيفات، إلى مستوى أدنى من قبل «موديز» أو «ستاندرد آند بور»، على الرغم من تجنب أي تقصير في سداد الديون.

لماذا؟ إن الصفقة تقطع شوطاً قصيراً فحسب لحل المشكلة المالية الأساسية: الطفرة المقبلة في المطالب الاستحقاقية لمواليد مرحلة الستينات، ولا سيما في مجال الرعاية الطبية. وسيؤدي هذا الاتفاق إلى تجاوز الإنفاق الفدرالي لخمس الاقتصاد الأميركي في سنة 2021. ومع ذلك، فستضاهي النسبة المئوية من الميزانية المطلوبة لسداد الديون نظيرتها في دول العالم الثالث.

وقد تنازل الكونغرس هو الآخر عن مسؤوليته السياسية من خلال ترك العبء الثقيل لــ «عصابة الــ 12»، أو للجنة عليا من المشرعين الجمهوريين والديمقراطيين تنحصر مهمتهم في إيجاد تخفيضات تتراوح قيمتها بين 1.2 و1.5 تريليون دولار أميركي. وحتى هذا الكم من التخفيضات لن يكون كافياً للسيطرة على الديون.

وإذا عجزت اللجنة العليا عن التوصل إلى اتفاق جماعي، فسيتم اللجوء إلى التخفيضات التلقائية، والتي سيتم الحصول على نصفها من ميزانية الجيش والنصف الآخر من ميزانية الأجهزة الأمنية.

لوضع الأمور في نصابها الصحيح، تخيل لو أن الولايات المتحدة تحاول إنقاذ الاقتصاد العالمي الآن كما فعلت قبل عامين. إن سياسة التقشف الجديدة ستجعلها عاجزة إلى حد كبير عن وضع شبكة أمان لتجاوز أزمة مالية أخرى.

إن أية اقتطاعات كبيرة من ميزانية البنتاغون ستضعف الدور الأميركي الحاسم على الصعيد العالمي. وبالرغم من أنه قد آن الأوان لتقليم الإنفاق العسكري، فإن الولايات المتحدة تحتاج أولاً إلى إجماع بشأن الالتزامات الخارجية التي ستبقي عليها. وفي دراسة أجريت سنة 2010 من قبل مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، وجد أن ما يفوق 8 من كل 10 أميركيين يعتقدون أن ممارسة الولايات المتحدة لدور قيادي قوي فيما يتعلق بالشؤون العالمية هو أمر إما «في غاية الضرورة» أو «ضروري نوعاً ما».