عندما انسحبت القوات البريطانية من مقاطعة هيلمند في جنوب العاصمة الأفغانية كابول، في 20 يوليو الماضي، قامت بذلك بمزيد من الكبرياء، حيث اصطف الأفغان على جانبي شوارع مدينة "عسكر جاه" ليقدموا باقات من الزهور، بينما ألقى حاكم المقاطعة خطابا أعاد فيه إلى الأذهان أنه أبلغ والدة جندي بريطاني لقي مصرعه هناك، أن موت ابنها لم يذهب سدى. غير أن هذا الحديث عن مهمة أنجزت بشكل طيب لم يخدع الكثيرين، وبصفة خاصة لم يخدع طالبان، حيث استمرت موجة هجماتهم الانتحارية بلا هوادة، فأثارت السخرية من المزاعم بأن القوات الوطنية الأفغانية في وضع يتيح لها ضمان النظام والقانون في جنوب أفغانستان. لقي المزيد من الأشخاص مصرعهم في هيلمند والمقاطعات المجاورة لها، فيما قتل المهاجمون الانتحاريون التابعون لطالبان العشرات من رجال الشرطة في عسكر جاه، وفي الآونة الأخيرة قام أحد المهاجمين الانتحاريين بقتل 19 شخصا من بينهم مراسل هيئة الإذاعة البريطانية. وكان من بين ضحايا هجمات طالبان التي وقعت مؤخرا، حاكم سابق لمقاطعة هيلمند، وعمدة لقندهار، وأحد كبار رجال الدين، وأحد أشقاء الرئيس الأفغاني حامد قرضاي. لا يحتمل أن تؤدي عمليات إظهار القوى هذه من جانب طالبان، إلى إبطاء إيقاع الانسحاب العسكري الغربي من أفغانستان، الذي تمليه اعتبارات سياسية محلية في الغرب، وليس أحداثا تقع في أفغانستان. ويرغب الرئيس الأميركي باراك أوباما في انسحاب ربع القوات الأميركية الموجودة في أفغانستان، وقوامها 100 ألف رجل، بحلول العام 2012، مع انسحاب بقية هذه القوات بحلول 2014. وعلى فرض أننا سننفذ هذا الجدول الزمني، فإن ما يحدث عندئذ يظل بعيدا عن الوضوح. وليست كل مقاطعة في أفغانستان مثقلة بمسلحي طالبان، كما هي الحال في مقاطعتي هيلمند وقندهار القريبتين من حدود باكستان.
وفيما تواصل القوات الأميركية والبريطانية وغيرهما الانسحاب، فإن فرص سيطرة طالبان على أفغانستان بأسرها تظل محدودة، والخطر الأكبر هو تقسيم أفغانستان بحكم الأمر الواقع إلى منطقتين، إحداهما تديرها طالبان والأخرى تديرها كابول، وربما يكون هذا هو التراث الأكثر دواما للتدخل الغربي العسكري في أفغانستان. ومن المحتمل أن تتم مضاعفة الامتداد الزمني لجولات الواجب بالنسبة للوحدات العسكرية البريطانية الأساسية في أفغانستان، لتصل إلى عام كامل بالنسبة للفترة التمهيدية المفضية إلى إنهاء العمليات العسكرية هناك في 2014.
وسيكون هذا الامتداد مثيرا للخلاف إلى حد بعيد، في وقت تجرى فيه تخفيضات في أعداد القوات البريطانية هناك. وتعني المهمة في ليبيا أن القوات البريطانية منهمكة في القتال على جبهتين، الأمر الذي يؤدي إلى شكاوى تتعلق بالمبالغة في تكليف هذه القوات. وقد أدى هجوم انتحاري على مخفر للشرطة في عسكر جاه مؤخرا وخلف 11 قتيلا، إلى إثارة القلق لدى القيادة البريطانية في أفغانستان، فقد قامت بتسليم السيطرة على العاصمة الإقليمية للحكومة الأفغانية قبل أسبوعين، عندما ساد الاعتقاد بأن الوضع الأمني قد تحسن، وأظهر هذا الهجوم إصرار طالبان على تحويل المدينة مجددا إلى ساحة قتال، حسبما يقول كبار الضباط البريطانيين، كما أظهر الحاجة إلى الالتزام بتدريب القوات الأفغانية. وقد أيد مايكال أونيل رئيس فريق الإعمار الإقليمي في هيلمند، الذي يعتبر بمثابة الذراع المدنية للوجود البريطاني في المقاطعة، التمديد قائلا: "إن هذا أمر له مغزاه، فنحن في وقت حرج ومن المهم للغاية أن نحقق هذه الاستمرارية، ومعظم الناس في فريق الإعمار الإقليمي يخدمون لمدد تزيد على 6 أشهر وتصل لعام كامل، وبعضهم مد فترة خدمته إلى 18 شهرا، ونحن نجد هذا مفيدا في بناء العلاقات مع الشركاء الأفغان، وكذلك في المضي قدما بالمشروعات. ومن الواضح أن هناك بعض الضغوط، ولكننا نواصل المسيرة بشكل جيد".