خفقت الأعلام وتم أداء النشيد الوطني، وسوف تصدر العملة الجديدة للتداول في غضون أيام، لقد تم إطلاق جمهورية جنوب السودان. يحتمل أن يلحقها الهلاك لأنها كانت ضمن «دولة فاشلة»، يلاحقها الفقر المدقع ونسبة محو الأمية تقدر بنحو 15%، والتناحرات العرقية المريرة لعقود من العنف والبؤس. ولكن ماذا عن البلد الذي خلفته وراءها؟
الأمر الواضح هو أن هناك دولة جنوب السودان، ولا يوجد دولة في شمال السودان. وما تبقى لا يزال يطلق عليه إسم السودان.الذي لا يزال ثاني أكبر دولة في أفريقيا، ولا تزال تضم أربعة أخماس الشعب قبل انفصال الجنوب، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من دخلها، حيث يتركز ما يقرب من ثلاثة أرباع النفط في السودان الموحد في الجنوب. كما أنها دولة عربية يديرها حاكم لا يزال في السلطة منذ 22 عاماً. إذن، فنحن نعرف ما سوف يأتي بعد ذلك، أليس كذلك؟
لقد جاء الرئيس السوداني عمر حسن البشير من خلال انقلاب عسكري في عام 1989، وهو أول رئيس لدولة توجه إليه اتهامات من قبل المحكمة الجنائية الدولية. التي أصدرت في عام 2009 مذكرة توقيف بحقه بتهمة ارتكاب جرائم حرب في ظل ادارته للحرب في اقليم دارفور المتمرد. وأضافت المحكمة في مذكرتها ثلاث تهم بالإبادة الجماعية في العام الماضي.
لكن البشير ورث الحرب بين الشمال وبين ما يعرف الآن بجنوب السودان. فقد كانت حرباً مروعة أودت بحياة حوالي مليوني شخص من الجنوبيين وشردت 4 ملايين آخرين، أي ما يعادل نحو نصف سكان الجنوب، من منازلهم. البشير أدرك في النهاية أنه لا يمكن الاحتفاظ بالجنوب من خلال القوة، وكان لديه من الحكمة والشجاعة أن يتبصر في الأمر.
في عام 2005، أنهى القتال من خلال الموافقة على أن تتم إدارة شطري البلاد الشمالي والجنوبي من خلال حكومتين منفصلتين لمدة ست سنوات، بعدها يجري الجنوب استفتاءً على الاستقلال. وكان يعلم أن الجنوب سوف يقول «نعم» بأغلبية ساحقة، وفي نهاية المطاف صوّت 98.83% من سكان جنوب السودان على الانفصال، لكنه لم يتراجع عن الاتفاق.
قال سلفاكير، رئيس جنوب السودان الآن، عقب الإعلان عن نتائج الفرز في فبراير الماضي: «يستحق الرئيس البشير وحزب المؤتمر الوطني مكافأة. من جانبه، قال البشير: «سوف نهنئكم ونحتفل معكم... ولن نقيم خيمة للعزاء».
القرار الذي اتخذه البشير أضعف موقفه من الناحية السياسية للغاية في الشمال، لكنه تمسك به طوال كل هذه السنوات، ونتيجة لذلك القرار فإن عشرات الآلاف من الناس الذين كانوا سيهلكون ما زالوا على قيد الحياة.
ولا يعني هذا بالضرورة أن العلاقات بين الشمال والجنوب سوف تسير بشكل سلس بعد الاستقلال. فمعظم النفط يتركز في جنوب السودان، ولكن الدولة الناشئة غير ساحلية، ولا يمكن أن يتم تصدير النفط إلا عبر خطوط الأنابيب التي تمر في أراضي الشمال للوصول الى البحر الأحمر. لكن لا يوجد اتفاق حول تقاسم العائدات حتى الآن، ولا حتى اتفاق بشأن الحدود بين البلدين.
واندلع النزاع بين الطرفين حول إقليم أبيي في قتال مفتوح بين القوات الشمالية والجنوبية، على الرغم من أن هناك الآن اتفاقا لجلب قوة حفظ سلام أثيوبية. وليس هناك اتفاق على الاستفتاء الذي كان مقررا عقده في هذه المنطقة، لكنه لم يعقد.