أصبحت الساحة مهيأة، أخيراً، لإجراء محادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان. فقد أكد الرئيس الأفغاني حامد قرضاي ووزير الدفاع الأميركي (المستقيل) روبرت غيتس، أن الاتصالات التمهيدية بين الطرفين جارية. وبالقدر نفسه من الأهمية، فقد تم تقسيم قائمة مجلس الأمن الدولي للعقوبات، كي يتم فصل قادة طالبان عن تنظيم القاعدة، مما يجعل من الأسهل رفع القيود السياسية على حرية زعماء طالبان، للسفر ولقاء المفاوضين بصورة آمنة.

لا يزال الطريق طويلاً قبل بدء محادثات واسعة النطاق، على الأقل ليس من خلال الحصول على إجماع في واشنطن بشأن ضرورة هذه المحادثات. وفي مقابلة تلفزيونية مؤخرا، صرح غيتس: "لقد قلنا على الدوام إن النتيجة السياسية هي الطريقة الأكثر إنهاءً للحروب، والسؤال هو: متى، وهل حركة طالبان مستعدة لإجراء محادثات جدية؟".

التصريحات الأخرى التي أدلى بها المسؤولون الأميركيون، أوضحت أن السؤال نفسه ينطبق على الأمة الأميركية. قال غيتس إن الولايات المتحدة تحتاج إلى ممارسة المزيد من الضغط العسكري على حركة طالبان. "المحادثات نعم، ولكن ليس بعد"، ظل ذلك هو الموقف الذي تمسكت به "البنتاغون" لفترة طويلة، وظل يردده مراراً وتكراراً الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الأميركية في أفغانستان، والذي سيكون له حق الوصول إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما بشكل أكبر، من خلال منصبه الجديد كرئيس لوكالة الاستخبارات المركزية.

والهدف من إعلان أوباما سحب بعض القوات الأميركية من أفغانستان، هو إرضاء غالبية الأميركيين الذين فقدوا الثقة في الحرب الأفغانية، وكذلك الصقور في الجيش الأميركي. ويمر الجمهوريون بحالة من الارتباك، مع بروز بوادر أولية تتعلق بأنه من خلال أفغانستان، فإن مرشح الرئاسة في العام المقبل، ربما يهاجم أوباما "من اليسار" بالقول بضرورة انسحاب القوات الأميركية بشكل أسرع.

لكن إعلان أوباما بشأن الانسحاب المحدود، سوف يعني قدراً محدوداً، ما لم يكن مصحوباً ببيان واضح بأنه يعتزم التفاوض لإنهاء الصراع، تماما كما تعهد الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون في نهاية المطاف خلال حرب فيتنام. لا يزال صانعو القرار الأميركيون عاجزين عن إدراك أن الدافع الرئيسي لطالبان، كما كشف بعض الدراسات الاستقصائية التي أجريت على العديد من مقاتلي الحركة، هو الرغبة في إنهاء الاحتلال الأجنبي لبلادهم. فالمسؤولون والساسة الأميركيون.

فضلا عن العسكريين، يصدرون تقارير لا نهاية لها، تدعي أن الأشخاص الذين ينضمون إلى طالبان دافعهم المال أو التخلص من البطالة أو النزاعات المحلية حول الأراضي وشرف القبيلة. عندما حذر قرضاي نفسه الأميركيين مؤخراً، من أن "التاريخ يكشف ما يفعله الأفغان مع المعتدين والمحتلين"، مشيراً إلى أن الأميركيين جاؤوا إلى أفغانستان في المقام الأول لأغراضهم الخاصة بهم، وقد وصفه بعض المحللين في الولايات المتحدة بأنه "مثير للشغب" و"غريب الأطوار"، و"ربما يعاني من مرض عقلي".

من جانبه، قال كارل آيكنبري، السفير الأميركي في كابول، إنه شعر بالإهانة بسبب تصريحات قرضاي، لأن "أميركا لم تفكر في احتلال أي بلد في العالم، ونحن شعب طيب". يمر قرضاي بموقف صعب. وهو مثل طالبان يريد إنهاء احتلال بلاده رغم انه ليس متأكداً من كيفية القيام بذلك، في ظل الضغوط المضادة من المسلحين والأميركيين، وكذلك من قادة الحرب الطاجيك المناهضين للتفاوض الذين يحيطون به، والمقربين من قبيلة البشتون، الذين حققوا نجاحاً اقتصادياً من أموال الأميركيين التي منحت لأفغانستان.