بشكل مفاجئ ومحزن، ربما تصبح الحرب في ليبيا أهم المغامرات العسكرية ذات العواقب غير المحسوبة في التاريخ الأميركي الحديث. ليبيا ليست بلداً مهماً لأمننا القومي، وليست لها أي أهمية خاصة بحد ذاتها، لكنها غدت مهمة فقط لأن المؤسسة السياسية في واشنطن، بقيادة الرئيس أوباما، جعلتها مهمة.

قال نابليون ذات مرة، إذا انطلقت للاستيلاء على فيينا، فلا بد لك أن تستولي عليها. وكذلك الحال، إذا استثمرت هيبة ونفوذ أميركا والناتو في دولة إفريقية جموحة منعزلة، فحريّ بك أن تستردّ عائدات جيدة من ذلك الاستثمار.

إذا بقي معمّر القذافي في السلطة فسوف يكمل من حيث توقف، وسيواصل المذبحة التي قلنا إننا بدأنا هذه الحرب لمنعها، ومن المرجح أنه سيعود مرة أخرى إلى أساليبه القديمة في الإرهاب الدولي. وسيتردد صدى مشهد إذلال الولايات المتحدة و"ناتو" في أنحاء المنطقة والعالم، وسيستخلص الطغاة الآخرون أن نباح الغرب أسوأ من عضته. ثم هناك أيضاً مسألة أصدقائنا في الحلف. إذا انسحبت أميركا دون تحقيق أي انتصار حقيقي (مثل النيل من القذافي)، فسيكون ذلك بمثابة ضربة قاضية لـ"ناتو". فحلفاؤنا الذين يحاربون إلى جانبنا في أفغانستان والعراق منذ عشرة أعوام، سيتساءلون ما إذا كانت عزيمة أميركا تتلاشى دائماً هكذا بسرعة، عندما لا تكون هي من يصدر الأوامر.

لكن الثبات على النهج نفسه في ليبيا، ليس خياراً جذاباً أيضاً. فالرئيس أوباما يصر على أن قانون صلاحيات الحرب لا ينطبق على ليبيا، لأن حملة القصف الجوي والهجمات بالطائرات الصغيرة الموجهة عن بعد، لا ترقى إلى مستوى "عمل حربي صريح". لا أحد يصدّق حقاً هذا الهراء، ولذلك عمد أوباما إلى فعل ما لم يفعله أي رئيس جمهوري من قبله، إذ قام بتمزيق قانون صلاحيات الحرب.

وهذا الفعل بحد ذاته ربما يكون أمراً جيداً، على اعتبار أن القانون المذكور، الذي يقلص صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة، يمثل انتهاكاً دستورياً. لكن لا شيء في هذه البيئة السياسية المشحونة بالنزاعات الحزبية، يحدث في معزل عن المشهد العام. ففي فورة من اللامسؤولية والنفاق، يهب الجمهوريون الآن للدفاع عن القانون الذي طالما شتموه، لمجرد أن ذلك يتيح لهم فرصة اتهام أوباما باللامسؤولية والنفاق.

وهذا المناخ المقلق من الخلل الوظيفي في الكونغرس، هو الذي دفع السيناتورين الجمهوريين، جون مكين وليندسي غراهام، إلى اتهام حزبهما بالانزلاق إلى "الانعزالية"، وقال غراهام إن على الكونغرس "التزام الصمت" بشأن ليبيا.

مكين وغراهام رجلان شريفان، لكنهما يفرطان في تقدير سلطتهما الأخلاقية وقدراتهما الفكرية في الإقناع. فالرغبة في التسرع بإنهاء المأزق الأميركي في ليبيا، أو حتى في أفغانستان، ربما تكون مبنية على آراء خاطئة أو مواقف طائشة أو قصر نظر، لكن ليس هناك ما يدل على أنها نابعة من أية دوافع يمكن أن تعزى للانعزالية أو للعودة إلى "جناح بات بوكانان في الحزب الجمهوري"، كما يصفه مكين. وبالمناسبة فإن بوكانان ترك الحزب الجمهوري قبل أكثر من عقد، ولم يخلف وراءه جناحاً بل مجرد ريشة.

وفي الحقيقة فإن تحول الحزب الجمهوري إلى تبني سياسة تجنب التدخلات العسكرية غير الضرورية في الخارج، من المحتمل أن يساعد أوباما في انتخابات 2012، كما يعتقد غراهام وبعض الاستراتيجيين المحافظين، ومحتمل أيضاً ألا يساعده . لكن بغض النظر عن الجهة التي تدفع نحو الانسحاب المبكر قبل الأوان، فإن هذا الخيار ينذر بكارثة على البلاد وعلى إرث أوباما. وبالطبع ما كان لمكين وغراهام أن يضطرا أصلاً للتحرك نيابة عن أوباما، لو قام هو بعمله كما ينبغي.