رغم أن الحكومة وكبار ضباط الجيش وضعوا تصوراتهم الخاصة للمهمة العسكرية في ليبيا منذ البداية، إلا أنه من الصعب أن نصدق أنهم حددوا بدقة كبيرة الماهية التي ستكون عليها اليوم. فبعد مرور ثلاثة أشهر، لا تزال القوات البريطانية والفرنسية وغيرها، متورطة إلى حد كبير في العمليات العسكرية نفسها كما كانت في البداية.

 ربما تكون بنغازي قد أصبحت آمنة في أيدي المعارضة المناهضة للقذافي، لكن لا يزال القتال دائراً على أشده في مصراتة. وبينما مدد وزراء بريطانيون على نحو متزايد، التفويض الذي منحه مجلس الأمن الدولي بالافتراض المسبق بزوال القذافي أو رحيله، فإن الوضع على الأرض في معظم الأحيان يوصف بالجمود. ولم يحقق القذافي نصراً على المعارضة، ولكنه لم يهزم أيضاً.

في مثل هذه الظروف، فإن حالتي السخط ونفاد الصبر تطفوان على السطح. فالثوار في ليبيا غير راضين عن مستوى الدعم الذي يتلقونه، رغم أن قرار مجلس الأمن جاء فقط من أجل توفير الحماية للمدنيين. كما أنهم، على نحو معقول للغاية، يشعرون بالأسى، وهو الشعور الذي لا بد أنه يساور حلف "ناتو" والقوات المشاركة، إزاء حالات الاستهداف الخاطئة الأخيرة التي أسفرت عن مقتل مدنيين.

ولكونها مشاركة ضمن القوات الأجنبية، فإن القوات الفرنسية تتطلع على ما يبدو لإنهاء العملية برمتها، قبل الاحتفال بالعيد الوطني في الرابع عشر من يوليو المقبل، فيما يشير بعض التقارير إلى أن الدنماركيين استنفدوا ما لديهم من قنابل، بينما دعا وزير الخارجية الإيطالي إلى وقف لإطلاق النار للسماح بإيصال المساعدات.

وفي الولايات المتحدة، يواجه الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي يركز الاهتمام على أفغانستان، تساؤلات ملحة بشأن عدم وجود موافقة من الكونغرس على العملية، في حين رافقت التأييد الشعبي الضعيف في بريطانيا، حالة من عدم الارتياح لدى المسؤولين الذين يجادلون بأن الموارد آخذة في النضوب الشديد.

حتى إن الجامعة العربية يبدو أنها تراجعت عن موقفها، وانضمت إلى الدعوة الإيطالية لوقف إطلاق النار.

ويعتبر القادة البريطانيون هم الأكثر تجاهلاً لذلك من بين كل هذه التمثيلات. فقد كان رئيس الوزراء البريطاني "ديفيد كاميرون" محقاً، عندما قال على نحو تهمكي نوعاً ما، إنه "سوف يقوم بالحوار"، ويتعين على الجيش "القيام بمهمته القتالية".

لكونهم طرحوا نصيحتهم، وتقبلوا المهمة بوصفها ذات جدوى، فلا يمكنهم الآن التحول عنها. يجب أن يدور الاشتباه حول ما إذا كانوا يستغلون الفترة غير المتوقعة لهذا الصراع، من أجل الضغط للمضي في عكس مسار خفض الإنفاق الذي تتبعه الحكومة. ويتعين أن يكون التعامل مع هذا الوضع، بأنه ليس هذا هو الزمان ولا المكان الملائمان.

أما الإغراء الآخر الذي تتعين مقاومته بشتى التكاليف، فهو أي تمديد للمهمة. فالمسألة لا تقتصر على انعدام إمكانية الحصول على قرار جديد يكون أكثر صرامة في مجلس الأمن الدولي فحسب، بل إن المهمة تتعدى أهدافها الأصلية بالفعل، مع استمرار الغموض من جانب الوزراء البريطانيين بشأن ما إذا كان القذافي نفسه هو المستهدف، علاوة على نشر طائرات أباتشي.

إن ليبيا، على ما يبدو، تتحول بشكل متزايد إلى نقطة الالتقاء المثالية، وهي محاولة الحيلولة دون وقوع مذبحة في مدينة بنغازي، والرغبة في الإبقاء على روح الربيع العربي، مع الواقع المتمثل في الاعتراف بأنه لا يتوافر المال ولا التفويض من أجل تحقيق أكثر من ذلك بكثير.