نجحت الهند في سياسة النفي والتشويه التي تمارسها تجاه كشمير، ويمثل قرارها بإخضاع مجلة "إيكونوميست" للرقابة بعد نشرها خريطة تبين الحدود المتنازع عليها في كشمير، أمرا ينذر بالسوء، حيث يظهر أن تصلب موقفها القديم حيال كشمير ما زال عميقا، كذلك استعدادها لقمع حرية التعبير حول ما تراه قضايا حساسة تخص المصلحة الوطنية. وتستمر الهند في التصرف كدولة بوليسية في التعامل مع قضية كشمير، وليس كبطلة للديمقراطية والحرية، وهو ما تنوي أن تكون عليه.
لم تبد الهند استعداداً، على امتداد عقود، لحل أحد صراعات العالم الأكثر مأساوية، ليس هذا فحسب، بل إنها أحبطت أي محاولة لحوار له مغزاه حول القضية، في الخارج وداخل البلاد على حد سواء. إن الطلب من "إيكونوميست" وضع ملصقات على مناطق تسيطر عليها الهند وباكستان والصين، هو أمر محزن، كما يتماشى مع سياسة الهند غير المرنة والمعيبة بعمق في كشمير. وفي سياق إصرارها على أن "كشمير هي جزء لا يتجزأ من الهند" وانتقادها أي محاولة تقول العكس، تحتفظ بأكبر وجود عسكري في العالم في منطقة واحدة، لقمع أي انتفاضة كالتي انفجرت ضد حكمها في عام 1989، وتستمر على شكل مقاومة مدنية. خلال السنة الماضية، وفي إطار ما يجري تذكره اليوم باعتباره صيف كشمير الدموي، فإن قوات الهند شبه العسكرية، إلى جانب الشرطة، قتلت أكثر من مئة محتج، معظمهم من الشباب وأطفال المدارس. ومن بين هؤلاء سمير راه، البالغ التاسعة من عمره، من سريناغار، والذي تلقى ضربات حتى الموت وجرى رمي جثته إلى جانب الرصيف.
وسوف تلتصق صور هذا الجسد المدمى والمغطى بالكدمات، إلى الأبد في الوعي الجماعي للكشميريين في الداخل وحول العالم، ويمكنها أن تطارد النخبة السياسية والمثقفة الهندية لفترة طويلة. وفي رد على هذه الوحشية تجاه الناس، حيث بقي وادي كشمير تحت الحصار عمليا لأسابيع، بدأ سرد مقنع لما جرى، وهو ما أطلق عليه "المعارضة الجديدة"، وقد اعتمده الكشميريون أنفسهم إلى جانب المثقفين والكتاب والصحافيين الأكثر شجاعة من الهند. استخدم كل من الحكومة المركزية الهندية والمتعاونين معها في كشمير، كل ما في وسعهم في سبيل قمع هذه الموجة من المعارضة، ولقد فرضوا إجراءات وحشية لإسكات صوت الكشميريين والداعمين لهم في دلهي. فأغلقت محطات التلفزة، ولم يسمح للصحف بالصدور لأسابيع، كما تم منع الرسائل الإلكترونية، وفي ما بعد في العاصمة الهندية، وجهت إحدى المحاكم تهمة التحريض على الفتنة ضد أرونداتي روي، فتوجه الشباب الكشميري إلى الإعلام الاجتماعي في سبيل نشر الكلمة، وقد انتشرت بمساعدة من الشريحة الهندية المثقفة المتنوعة بشكل مدهش، وبعض قطاعات الإعلام الهندي.
لا تتضمن خريطة مجلة "ايكونوميست" عن كشمير، أي شيء يخالف الحقائق التاريخية، أو يسيء للحقائق على الأرض. فالمجلة أساسا عرضت رسومات من طبيعة جيوسياسية لمنطقة كشمير كأرض متنازع عليها بين الهند وباكستان، باعتبارهما المتخاصمين الأساسيين، لكن الكشميريين هم الطرف الرئيسي لأن مستقبلهم هو الذي يدور الخلاف حوله، وهو خلاف تقر به الأمم المتحدة في ميثاقها لعام 1948 وفي خرائطها. حاولت الدولة الهندية لسنوات نزع شرعية تطلعات الناس في كشمير، إما من خلال رفع فزاعة المتشددين، أو خلط التحدي لسلطتها في كشمير مع الحرب التي تقودها الولايات المتحدة على الإرهاب. وقد نحجت في ذلك، خلال معظم سنوات التسعينات والسنوات الأولى من القرن الجديد. ولسخرية القدر، فإنه نتيجة لظهور "الهند الجديدة" ولازدهار الطبقة الوسطى في البلاد، فان مجلة "ايكونوميست"، والتي هي مجلة خاصة بنخبة رجال الأعمال، تبيع الآن نسخا أكثر في الهند.
إن الحكومة الهندية تقوم بما يضر بشكل هائل بمصداقية الديمقراطية، بمحاولتها مصادرة الحقيقة حول أحد أكثر الصراعات مأساوية وخطورة واستعصاء.