تترتب على أحداث كبيرة أحيانا عواقب استراتيجية غير مقصودة، كما يوضح مصرع أسامة بن لادن الذي أثار رد فعل كان يفترض أن يتوقعه الباكستانيون لكنهم لم يفعلوا ذلك. فوجئت المؤسستان المدنية والعسكرية في باكستان، وانزعجتا من مستوى الشك الذي أثارته الأحداث المؤدية إلى مصرعه، وأصبحت هناك مطالبة شعبية متمادية نحو إحداث تبديل رئيسي في التوجه بالنسبة لعلاقات باكستان مع العالم. ومن المرجح أن يؤدي مصرعه، إلا إذا قام الغرب بالتحرك سريعا، إلى إعادة اصطفاف رئيسية في السياسة الدولية، يدفع بها جزئيا انتقال باكستان من فلك أميركا الاستراتيجي إلى فلك الصين.
وبإمكان الصين التحرك بسرعة عندما ترى «صديقها في كل الظروف»، بحسب عبارة رئيس الوزراء الباكستاني يوسف جيلاني، في محنة قصوى. في عام 1996، عندما كانت باكستان على وشك الإفلاس وتنظر في إمكانية التخلف عن الدفع، قال رئيس الوزراء الصيني آنذاك زو رونجي، إن بلاده لن تسمح بإفلاس باكستان، وأمر بوضع 500 مليون دولار فورا في حساب باكستان لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
ويبدو أن الصين تتبنى المنهاج نفسه مع باكستان حاليا، في الوقت الذي يهدد الكونغرس الأميركي بقطع مجمل المساعدات عنها. وقد قام جيلاني مؤخرا بزيارة إلى بكين، وعاد بعرض تسليم فوري لـ50 طائرة مقاتلة إلى باكستان، وبوعود أكثر لن تلبث أن تتحقق سريعا، أخذا بالاعتبار سجل الصين كجهة مانحة للإعانات إلى باكستان. وفي هذه الأثناء، تستمر باكستان بدفع ثمن مصرع ابن لادن، حيث يستمر حصد الأرواح في التزايد، وتزداد الكلفة على الاقتصاد.
في 23 مايو الماضي، أصدرت الحكومة تقديرا للكلفة الاقتصادية لـ»الحرب على الإرهاب»، بما مجموعه 60 مليار دولار، بالمقارنة مع 20 مليار دولار كان من المفترض أن يدفعها الأميركيون كتعويضات. وفي الواقع فإن حصة مهمة من المساعدات الأميركية الموعودة ما زالت تنتظر الوصول، لا سيما ذاك الجزء الذي يفترض فيه إنقاذ الاقتصاد.
وفي الوقت الذي كان جيلاني في بكين، عاد وزير المالية الباكستاني عبد الحفيظ شيخ من واشنطن فارغ اليدين. وكان قد ذهب لإقناع صندوق النقد الدولي بالإفراج عن نحو 4 مليارات دولار، من أصل 11 مليار دولار وُعدت بها باكستان في أواخر 2008 لإنقاذها من التوقف عن دفع المستحقات عليها من الديون الخارجية. وجاء قرار الصندوق كرد فعل على فشل الحكومة الباكستانية في زيادة نسبة الضريبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي تقف حاليا عند أقل من 10%.
كان الصندوق محقا في إصراره على أن تقف باكستان على قدميها اقتصاديا، لكن في القريب العاجل سوف يقوم وزير المالية الباكستاني بتقديم ميزانيته للسنة المالية 2011/2012، حيث يرغب في تخفيف العبء عن كاهل الباكستانيين العاديين، وهذا يضع حكومة جيلاني في مأزق حقيقي. وإذا ما استطاع شيخ موازنة مطالب الصندوق مع احتياجات الناس العاديين، فإن الأمر لن يحدد اتجاه الاقتصاد الباكستاني فحسب، بل سيكون له أيضا تأثير هائل على الكيفية التي تنظر بها باكستان ومواطنوها إلى العالم.
إن العزاء الوحيد الذي تلقته باكستان من الغرب، أتى على شكل ضمانات أعطيت من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، اللذين وعدا بوقوف بلديهما إلى جانب حكومة باكستان وشعبها، وقالا إن باكستان منخرطة بقوة، كما بلداهما، في الحرب على الإرهاب.