توجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع في تركيا، أخيراً، فيما بدت لهم انتخابات برلمانية لــ«المزيد من الشيء نفسه»، المزيد من الرفاه، المزيد من الاستقرار والمزيد من النفوذ الدولي من أجل هذا البلد العملاق الديمقراطي الذي يمتد في أوروبا والشرق الأوسط بالمعنى الأوسع نطاقاً. لكن لا ينبغي أن ينظر إلى هذه الانتخابات بوصفها «المزيد من الشيء نفسه»، حيث تقف تركيا عند مفترق طرق سياسية، رغم أن ذلك قد لا يكون واضحاً.

دلّت جميع المؤشرات على أن الأتراك سوف يعيدون حزب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى السلطة، ويبقون على أردوغان لولاية ثالثة. تركيا لديها الكثير لتفخر به تحت قيادة هذا السياسي الملهم، وحزبه السياسي الإسلامي المعتدل، حزب العدالة والتنمية. فقد أكسب حكمهم، لما يقرب من عقد من الزمان تركيا النمو الاقتصادي الكبير الذي عزز ازدهار الفرد. كذلك دفع أردوغان باتجاه إدخال تحسينات ديمقراطية فتحت الباب أمام الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي (لسوء الحظ، توقفت عملية الانضمام).

بعد تاريخ طويل من الانقلابات العسكرية والتغيير في الأنظمة، يتمتع الأتراك، أخيراً، بالاستقرار السياسي، والنفوذ الدولي. ومن خلال سياسة خارجية «خالية من المشاكل» على حدودها، استعان أردوغان وحزب العدالة والتنمية بالعلاقات التجارية لبناء علاقات طيبة مع جيران تركيا. لكن التغيير هو في الواقع كلمة السر لهذا التصويت. ففي السياسة الخارجية ، تختلف الصورة عن العام الماضي كلية.

فالمستبدون الذين تقيم معهم تركيا شراكة يواجهون تنحية تاريخية ديمقراطية من جانب مواطنيهم من الشباب. قال وزير الخارجية التركي الأشياء الصحيحة، على سبيل المثال، إن الاستقرار في المنطقة يعتمد على الحرية. ودعا القادة العرب الامتثال لطلبات شعوبهم عن طريق الشروع في الإصلاح، وإلا فلن يكتب لهم البقاء.

ولكن حتى الآن يبدو أن أنقرة تعتقد أنها قادرة على تسهيل عملية التغيير من خلال نقاش مقنع و«خالٍ من المشكلات». والطغاة يبادرون إلى العمل بعزيمة قوية عندما يواجهون التحدي. وماذا عن الإجراءات التي تبرز قوة تركيا الاقتصادية في المنطقة، سواء بالعقاب أو الحافز؟ يمكن أن ينطوي ذلك على مخاطر في المدى القصير بالنسبة لتركيا، ولكن قد تنتج أيضا مكاسب على المدى الطويل.

فيما يتعلق بالشأن الداخلي في تركيا، فإن المشهد آخذ في التحول أيضاً. فالصدع الحاصل بين العلمانيين والمتدينين ازداد عمقاً على مر السنوات، الذي أثارته مبادرات حزب العدالة والتنمية، وبعضها يتسم بأنه معقول، والبعض الآخر بأنه غير معقول.

ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن أردوغان، الذي يجاهر دائما بولائه للديمقراطية، قد عمل على تقويض الضوابط والتوازنات المفروضة على حكومته، من خلال الضغط على وسائل الإعلام ومساءلة المنتقدين.

يتعهد أردوغان بعمل دستور جديد في حال تصويت الناخبين لصالح حزبه. ويعد إجراء تحديث بمثابة ضرورة، نظراً لأن الدستور الحالي ينبع من عصر السيطرة العسكرية.

ولكن ما يريده أردوغان سيكون كارثة. يتمثل هدفه من هذه الانتخابات في الفوز بالأغلبية الكاسحة في البرلمان، بحيث لا يكون بحاجة إلى التشاور مع الأحزاب السياسية الأخرى أو المضي بدستور جديد للشعب للموافقة عليه.

تعد القضايا التي سيعالجها الدستور الجديد من أكثر الأمور حساسية في المجتمع التركي، مثل دور العلمانية ومكانة الأقليات العرقية ودرجة الحكم الذاتي الإقليمي. ويتطلب مثل هذا التغيير الحصول على توافق واسع، وليس على موافقة حزب واحد .

والأمر الأبعد من ذلك، هو أن أردوغان يقول إنه يريد وضع دستور جديد لإعادة توجيه السلطة للرئاسة، وهو المنصب الذي يفترض أنه يسعى إليه. فهل تحذو أنقرة حذو موسكو، حيث تلاعب فلاديمير بوتين بالرئاسة ورئاسة الوزراء لإطالة أمد حكمه؟