في ضوء الاندفاع المجنون إلى الحرب في ليبيا، عندما خلصت بريطانيا ودول أخرى فجأة إلى أن بنغازي عرضة لأن تصبح سربرنيتشا الجديدة، فإنه ليس من المدهش عدم الاكتراث بالمسألة التي يبدو أنها غير مرتبطة بهذا الموضوع، والمتعلقة بهجرة أبناء إفريقيا جنوب الصحراء إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن قانون العواقب غير المقصودة لا سبيل إلى التملص منه، وما بدأ قتالا دونكيشوتيا في بلد بعيد، تحول إلى صراع حياة أو موت للوصول إلى شواطئ أوروبا، ويبدو أن أحدا لم يتوقع هذا التطور.

الذين يلقون مصرعهم في هذه الحرب داخل الحرب، ليسوا ليبيين وليسوا من أنصار القذافي ولا من الثوار، وهم ليسوا من سكان لامبيدوسا أو غيرها من الجزر الإيطالية أو المالطية، كما أنهم ليسوا بريطانيين أو من رجال أسلحة الطيران في حلف «ناتو»، وإنما هم الناس الذين يموتون أولا في مثل هذه المواقف، أي الفقراء وغير المتعلمين وذوي البشرة السمراء.

إنهم أناس من أريتريا والصومال ومن تشاد والنيجر، ومن الدول الفاشلة الأخرى جنوب الصحراء، وهم يظهرون يوميا على شواطئ أوروبا بعضهم أحياء بالكاد، والبعض الآخر ليسوا محظوظين إلى هذه الدرجة. يظهرون بالمئات وبالألوف، باعتبارهم الضحايا العاجزة للقرار الدولي بالتصعيد في ليبيا أيا كانت العواقب.

هذه الظاهرة المتعلقة بهرب ما يزيد على 12 ألفا من المهاجرينن الأفارقة في معظمهم، من ليبيا منذ مارس الماضي وغرق 1200 منهم، ربما كانت ظاهرة تستعصي على التنبؤ بها والحيلولة دون حدوثها، فالحرب تفرز اللاجئين، وهذه ليست فكرة جديدة، وقد خرج الغربيون الأغنياء من ليبيا قبل شهور على متن هليوكوبترات سلاح الجو البريطاني وسفن البحرية الأميركية، أما من بقوا فهم الذين لا يهتم أحد بهم.

ربما كان هذا الدفق من اللاجئين شيئا لا سبيل إلى السيطرة عليه، حيث ان الدولة الليبية التي قسمت عنوة، قد فقدت قدرتها على ضبط الأمن على حدودها وموانئها. ولكن هذا أمر يتناقله الناجون من حوادث غرق السفن الذين تحدثوا مع مسؤولي الأمم المتحدة، ويقولون إن العسكريين الليبيين في طرابلس يشرفون على أساطيل الهجرة من ليبيا إلى أوروبا، حيث يجردون ركاب هذه السفن مما غلا ثمنه لديهم، ويشحنونهم في عرض البحر في سفن بلا أطقم ومعرضة للغرق.

وربما يستخدم القذافي عن عمد هذه الأمواج من المهاجرين التي تضاف إلى عشرات الألوف ممن هربوا من تونس، ليطرق أسوار أوروبا ويفرض على الاتحاد الأوروبي وناتو التفكير بعمق أكبر في عواقب تغيير نظامه. وقد ذكر خالد القيم، نائب وزير الخارجية الليبي، أنه ليست هناك نية لنظامه لاستخدام المهاجرين كسلاح ضد أوروبا، وقال في هذا الصدد: «أؤكد لكم أن هذه ليست سياسة حكومتي».

. ولكن في ضوء الشعور بما يقارب الذعر الذي اجتاح أوروبا إزاء تزايد المهاجرين جراء الربيع العربي، فإن المرء يميل إلى أن يسأل المسؤول الليبي: «إذا لم تكن تلك هي سياسة ليبيا فلماذا يحدث ما يجري الآن؟». إن القذافي لا يمكنه إيقاف ناتو عسكريا، والدبلوماسية وصلت حتى الآن إلى طريق مسدود، ولكن المرء ليس بحاجة إلى العبقرية لكي يدرك مدى قوة تأثير ورقة الهجرة، عندما تلقى على المائدة قبيل انتخابات وطنية.

من السهل نسيان أن المهاجرين ليسوا المشكلة وإنما هم ضحايا، وبالتالي فإن من واجب أوروبا وصالحها أن تقوم بالمزيد لمساعدتهم، مهما كان سوء تصرف أنظمة مثل ليبيا. ويتعين على دول الاتحاد الأوروبي أن تقوم بالشيء الصحيح والديمقراطي، وهو أن تساعد اللاجئين وأن تستقبلهم بكرامة وبإنسانية، فتلك طريقة أفضل لهزيمة القذافي.