المشاهد التي فرضت نفسها على حدود إسرائيل، مؤخراً، لم يسبق لها مثيل. فمن لبنان إلى سوريا إلى غزة، احتفل الفلسطينيون بذكرى النكبة التي كانت بالنسبة لهم قيام دولة إسرائيل، من خلال تصعيد التحدي المنسق لأمن إسرائيل. الاشتباكات الناجمة عن ذلك، التي قتل خلالها 12 فلسطينياً وأصيب عدد كبير منهم بجروح، في رد إسرائيل الأخرق على نحو ملحوظ، يقدم نذيراً قاتماً بما يمكن أن يأتي، وهو النظير الكابوسي لحلم الانتفاضات الديمقراطية في أماكن أخرى من المنطقة.

في أحد جوانب المسألة، كان الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن ينضم الفلسطينيون إلى الربيع العربي، فيما يتجاوز عدداً قليلاً من المظاهرات المتفرقة التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة داخل قطاع غزة. ففي غمار عجزهم وفقرهم وتركيبتهم السكانية، يشترك الفلسطينيون في معظم المظالم التي أفضت إلى خروج أشقائهم العرب إلى الشوارع. فقد حشدوا أدوات الشبكات الاجتماعية نفسها لتصعيد احتجاجاتهم، وانطلقوا لتفريغ مشاعر الإحباط المماثلة.

غير أنه لأسباب كثيرة، ليس أقلها سعي الفلسطينيين لإقامة دولة فلسطينية، فلا يمكن أن تكون احتجاجاتهم تماما مثل الآخرين. وحقيقة أن المتظاهرين كانوا قادرين على الوصول إلى أسوار إسرائيل الحدودية، على ثلاث جبهات في آن واحد وتمكنوا من خرق دفاعاتها في مرتفعات الجولان، سوف يزيد فقط من شعور إسرائيل الغامر بانعدام الأمن. وفي حال ثبوت أن مصر لا تريد أو غير قادرة على تأمين الحدود عند رفح، فإن الأمر الأكثر احتمالاً هو أن إسرائيل تميل إلى اللجوء إلى قوة أكثر مما قامت به مؤخراً. يمكن أن تكون العواقب وخيمة بالنسبة لإسرائيل نفسها والمنطقة ككل.

يرى البعض في إسرائيل أن يداً إقليمية تقف وراء الاحتجاجات الأخيرة، لكن ليس بالضرورة أن ننظر إلى أبعد من جيران إسرائيل لتقدير التقلبات في الوضع الراهن. على مدى سنوات، كانت إسرائيل قادرة على التعويل على أن مصر وسوريا لن تقوما بأي عمل من شأنه الإخلال بالوضع الراهن. وفي ظل إقصاء الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن منصبه وما يجري على الساحة السورية، يبدو الوضع مختلفا. لكن العلاقات مع الفلسطينيين، لم تحقق أي استقرار تعويضي لهم. هناك أسباب أدت إلى تعثر عملية السلام بطبيعة الحال، منها الانقسام بين فتح وحماس، مما سمح لإسرائيل بالادعاء بأنها ليس لديها طرف لتجري معه المحادثات، .

واعتماد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على دعم حزب «أفيغدور ليبرمان» اليميني المتطرف في إدارة الأمور، والقرار المبكر من جانب الرئيس الأميركي باراك أوباما بجعل إقامة علاقات مع العالم الإسلامي إحدى أولوياته. لكن سرعة التغيير في كل مكان آخر في المنطقة، تفوق الآن أي تقدم في العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين، وتعرضها على نحو خطير لأن تكون بلا أهمية.

إذا كانت حتمية مواصلة عملية السلام بعيدة عن الوضوح بالفعل، فإن الاحتجاجات الفلسطينية الأخيرة جعلتها واضحة الآن. ولا حاجة لاستبعاد الاحتمال كأمر ميؤوس منه، وتحركات حركتي فتح وحماس لتسوية خلافاتهما، تزيل عقبة واحدة فقط.

ربما تفتح استقالة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط «جورج ميتشل»، السبيل لبعض التفكير الجديد. كما أن مقتل أسامة بن لادن على أيدي القوات الأميركية، يتيح للرئيس أوباما مساحة أكبر للمناورة، أكثر مما أتيح له من قبل.