سوف يكون للتغيرات الهائلة، التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تأثير أكثر أهمية وديمومة على الأمن العالمي من مقتل أسامة بن لادن. ومن المفارقات أن إسقاط ما يسمى بالأنظمة المارقة في الشرق الأوسط، كان جزءاً أساسياً في استراتيجية ابن لادن. لكن المظاهرات السلمية التي قام بها آلاف الناس، جلّهم من الشباب، أدت إلى إحداث تقدم في عملية التغيير دون اللجوء إلى العنف.
ومن المرجح ألا يكون لمقتل ابن لادن أي تأثير على البلدان التي تشهد دعوات شعبية واسعة النطاق من أجل التغيير، لكنها تزيل جزءاً من المنطق الذي يبرر انتشار القوات الأميركية في أفغانستان، ومن المرجح أنها سوف تعمل على تحقيق بداية الانسحابات المقررة للقوات الأميركية من هناك. ومنذ عقد الثمانينات من القرن الماضي، عندما طردت أفغانستان السوفييت من أراضيها، تصاعدت وتيرة الصراعات في البلاد بين الجماعات العرقية والقبلية، وبين التقليديين وأولئك الذين يبحثون عن أسلوب حياة أكثر حداثة، وهذا الوضع قائم حتى اليوم.
لقد مضت القوات الأميركية إلى أفغانستان عام 2001 من أجل الإطاحة بحركة طالبان، التي رفضت تسليم ابن لادن بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وكان تنظيم القاعدة حينذاك مجموعة إرهابية قوية، في أفغانستان الضعيفة بقيادة الملا عمر وحركة طالبان. واستغل التنظيم الحقوق التي كانت تتمتع بها أفغانستان كدولة ذات سيادة، ومارس عمله دون عقاب، بصورة مناهضة للأعراف الدولية المتبعة من قبل معظم الدول. ويتمثل الدرس المستفاد للمستقبل، في أن الدول الضعيفة التي تمنح ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية، تشكل أخطاراً حاضرة كبيرة على العالم.
لقد خسر ابن لادن وأتباعه في تنظيم القاعدة ملاذاً في أفغانستان، عندما أطاحت القوات الأميركية بحكومة طالبان، فسعى حينئذ إلى اللجوء لباكستان المجاورة. ومنذ 2001 قتل معظم كبار قادة تنظيم القاعدة أو ألقي القبض عليهم في باكستان، وليس أفغانستان. وقد كان القتال في أفغانستان موجهاً ضد حركة طالبان والجماعات المسلحة الأخرى المحلية، وليس ضد تنظيم القاعدة. وتشترك تلك الجماعات في تعزيز وجهة نظر ابن لادن تجاه العالم، لكنها جماعات قومية قبلية تناهض بشدة أي وجود عسكري أجنبي.
ومعظم الجماعات محلية، ولا تنحدر من البلدان النائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وكان الغرض من وجود القوات الأميركية في أفغانستان، هو منع تنظيم القاعدة من إعادة انشاء قاعدة للعمليات الخاصة به هناك، وهي حجة أبعد ما تكون عن الإقناع بعد مقتل ابن لادن، مما كان عليه الحال في السابق. وسوف يواجه الرئيس الأميركي باراك أوباما والكونغرس الأميركي، على الأرجح، صعوبة أكبر في تبرير إنفاق أكثر من 100 مليار دولار سنوياً على العمليات العسكرية في أفغانستان، في ضوء تهديد واهن في الوقت الراهن، أو يبدو كذلك.
وبما أن مخبأ ابن لادن كان عبارة عن مجمع متطور يقع على بعد ميل واحد من مدرسة عسكرية باكستانية، فسوف يكون مثيراً للاهتمام معرفة ما إذا كانت معدات الكمبيوتر التي ضبطت وأرقام الهواتف، تشير إلى أماكن اختباء كبار الشخصيات الأخرى في تنظيم القاعدة. وسوف يكشف كيف تعاونت السلطات الباكستانية مع الولايات المتحدة، في متابعة أي خيوط من أي نوع من الحلفاء.
لقد كانت العملية التي نفذتها عناصر تابعة للاستخبارات المركزية الأميركية تاريخية، لكن الأحداث التي جرت في الشهور الأربعة الأخيرة للربيع العربي، سوف تكون أكثر أهمية وديمومة. والسؤال المطروح: ما الذي سوف يصمد في العالم العربي؟ هل هي المظاهرات السلمية نسبياً التي تؤدي إلى تغيير النظام؟ أم التكتيكات المتبعة من قبل الأنظمة الاستبدادية لسحق المعارضة والتشبث بالسلطة؟ وبخلاف مسألة قتل أحد الأشرار، فسوف يستغرق الأمر وقتاً لكي تتكشف مصائر العديد من البلدان الأخرى.