ربما لم يخطئ البعض عندما أطلق على ما يحدث من ثورات شعبية في الشرق الأوسط وصف «تسونامي»، فالأمر فعلًا أشبه بالإعصار الذي يأتي من حيث لا يدري أحد ولا يعرف أحد مداه، ولو سألت أكثر من شخص من كبار المحللين الآن عن توقعاته لتطور الأحداث في ليبيا أو سوريا أو اليمن، أو حتى في مصر وتونس اللتين حسمتا ثورتيهما برحيل النظام الحاكم، لوجدت تضاربا كبيرا في الآراء وتباين في التنبوءات، .
وهذا أمر طبيعي ومعروف في الثورات الشعبية، لكن رغم هذا فإن المحللين والخبراء لن يصمتوا ولن يجلسوا ينتظروا النتائج دون أن يدلوا بدلوهم ونبوءاتهم، وهذا حقهم وعملهم، أما الدول الأخرى وأنظمتها الحاكمة فوضعها لا تحسد عليه، إذ عليها أن تتعامل مع ما يحدث أمامها في الميدان وتأخذ مواقف وقرارات، إما مع وإما ضد، وتتحمل مسئولية قراراتها كاملة، فهناك من يؤيد النظام الحاكم، وهناك من يؤيد الشعب الثائر، وهناك من يلعب على الجبهتين.
وقد نظمت وكالة الأنباء الروسية «نوفوستي» في مقرها في موسكو ندوة شارك فيها خبراء ومحللون سياسيون حول التطورات في الشرق الأوسط، وأجمعت غالبية الحضور على أن مرحلة التغييرات الثورية الجارية في عدد من الدول العربية لن تنتهي قريبا، بل ستستمر ربما لعدة سنوات وربما عشرات السنين.
ووصف إلكسندر إغناتينكو، عضو مجلس التفاعل مع الجمعيات الدينية لدى الرئاسة الروسية الأحداث في هذه البلدان بأنها «مزيج تمرد الفقر والثورات الملونة التي تتقاسم فيها النخب السلطة». ويرى إغناتينكو أنه خلال عملية التغيير الجاري في بلدان المنطقة يتوحد عدد من المشاركين في الاحتجاجات مع رجال النخبة، لكن المحتجين أنفسهم مثقلون بالمشكلات، التي تراكمت عبر عشرات السنين إبان حكم الأنظمة السابقة، بما في ذلك المشكلات الطائفية والعرقية والقومية وكذلك بين الدول العربية نفسها.
ومن جهته اعتبر شامل سلطانوف، رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية «روسيا- العالم الإسلامي»، أنه لا توجد في المنطقة ثورات في دول منفردة، بل ثمة «ثورة عربية واحدة»، مشيرا إلى أن النزعة الرئيسية والمحرك لجميع الأحداث في المنطقة هو الأصولية الإسلامية المعتدلة، بحيث لا أحد قادر على التحكم وإدارة العوامل المتعددة، أما الساسة فهم يتكيفون فقط بطرق مختلفة مع التغييرات الثورية»..
أما روديك إيسكوجين، عضو لجنة الشؤون القانونية والقضائية في مجلس الاتحاد الفدرالي للبرلمان الروسي، فاعتبر أن الوضع في بلدان المغرب العربي والخليج يمكن التنبؤ والتحكم به، «خاصة والأجهزة الأمنية لبعض الدول الكبرى من خارج المنطقة مطلوب منها أن تبرر ما أنفق عليها من أموال»، فلهذا يتم التحكم بالوضع في دول المنطقة من الخارج»، حسب إيسكوجين الذي رأى أن «لا شيء يحدث في الشرق الأوسط من ذاته. جميع المسائل مدارة خارجيا ومسيطر عليها»..
أما أوليغ بيريسيبكين، مدير مركز الدراسات الشرق أوسطية التابع للأكاديمية الدبلوماسية لدى وزارة الخارجية الروسية فاعتبر أن تصفية زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن مؤخرا هي مؤشر يبعث على القلق أصدرته الولايات المتحدة الأميركية للمجتمع الدولي، «هذا يعني أن الولايات المتحدة الأميركية تنوي أن تتصرف لاحقا بنفس الطريقة غير عابئة لا برأي الدول الأخرى ولا بوجود قانون دولي وهو ما يقوض مصداقية الأمم المتحدة كمنظمة رائدة وصاحبة القرار في حل المسائل الدولية»، حسب بيريسيبكين الذي كان سفيرا لروسيا سابقا لدى ليبيا، والذي أشار إلى أن رحيل القادة الحاليين لليبيا وسوريا واليمن لا يتماشى مع مصالح روسيا، كونه يضعف موقفها في المنطقة.