عمليات الائتلاف الدولي في هذا البلد ليبيا تؤثر سلبا على نظام منع انتشار الأسلحة النووية. ويتضح يوما بعد آخر أن المشكلة الليبية سيكون لها أثر طويل الأمد على العديد من جوانب العلاقات الدولية، بما في ذلك تأثيرها السلبي على مستقبل معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

لا شك أن العقيد الليبي الذي عارض الأميركيين طيلة أربعين عاما، غريبَ الأطوار ولم يكن في يوم من الأيام محبوبا لدى الغرب، ولكن الغربيين تحملوه واستقبلوه مرارا. كما أن العقيد، وحتى في أشد السنين وطأة عليه، لم يكن منبوذا من قبل العالم المتحضر، كزعيم كوريا الشمالية كيم سونغ إيل، مثلا. وإن ليبيا، خلافا لكوريا الشمالية، لم تصنف أبدا في عداد دول ما يسمى «محور الشر». كما تخلى القذافي قبل ثماني سنوات عن برنامجه النووي العسكري بغية التقرب إلى الغرب، ووافق أيضا على تسوية مسألة تعويض أسر ضحايا الكارثة الجوية التي اتهمت طرابلس بالتورط فيها. وآنذاك تم إلغاء العقوبات الدولية على ليبيا، وسحبت جميع الاتهامات التي كانت توجه لها.

 غير أن الغرب، وحالما لمس أن بالإمكان إيجاد بديل مقبول يحل محل نظام القذافي، لم يتردد في الإقدام على ما أقدم عليه. وها هي النتيجة الماثلة أمام أعيننا الآن. من الصعب اليوم أن نتنبأ بما يكسبه الغرب على المدى القريب بتخليه الفوري عن جميع الاتفاقات المكتوبة وغير المكتوبة مع طرابلس، وتقديمه الدعم لأعداء العقيد الليبي. أما الأمر المهم، فهو أن الديمقراطيات الغربية قد خسرت على المدى الاستراتيجي منذ البداية، فهي قبل كل شيء قدمت درسا للأنظمة «المضطربة» وللعالم أجمع. ويتلخص هذا الدرس في أن مبدأ السيادة القومية يتحول تدريجيا إلى مجرد وهم، أما توفير الأمن لبلد عضو في منظمة الأمم المتحدة، ملتزم بجميع مبادئ القانون الدولي، لم يعد ممكنا في أغلب الأحيان.

ارتكب العقيد الليبي خطأ جسيما عندما قدم تنازلات لخصومه الخارجيين أملا بالحصول على ما يضمن سلامته. ومن المثير للقلق أن المثال الليبي قد يترك أثرا عميقا على العديد من البلدان مولداً لديها شعورا شديدا بانعدام الأمان. وهكذا نجد أن ممارسات الدول الغربية تدحض الفرضية التي وضعتها بنفسها خلال العقود الأخيرة، والقائلة بأن تخلي دولة على عتبة امتلاك السلاح النووي عن برنامجها النووي العسكري سيعزز أمنها. والآن أصبح كل بلد أمام خيار صعب، فإما التسليم بفقدان سيادته الحقيقية أو البحث عن رد مكافئ للتحديات الخارجية. واعلن الناطق باسم وزارة خارجية كوريا الشمالية في ‬22 مارس أن «الأحداث الأخيرة في ليبيا تشكل درسا مهما للمجتمع الدولي. فقد انكشفت الآن أمام العالم أجمع حقيقة ما يسمى بـ«النموذج الليبي للتخلي عن البرنامج النووي» الذي طالما تغنى به الأميركيون، وتبين أنه لم يكن إلا وسيلة لاحتلال دولة معادية عسكريا عبر خداعها بالوعود البراقة من قبيل «ضمانات الأمن» و«تطبيع العلاقات».

لدى بيونغ يانغ أسبابا للقلق جراء التهديدات الخارجية أكثر بكثير مما لدى ليبيا. لكن ثمة فرقا بين الحالتين، فالكوريون الشماليون يمتلكون فعلا السلاح النووي، أو على الأقل أجهزة تفجير نووية. وهذا الأمر تؤكده التجارب التي أجريت عامي ‬2006 و‬2009. وبخلاف القذافي فإن كيم إيل سونغ، وبعد الأحداث في يوغوسلافيا السابقة والعراق.