الأعمال الاحتجاجية ضد الحكومة السورية تتسع وتمتد إلى مدن وبلدات جديدة، وأعداد القتلى والجرحى تتزايد، وعلى الرغم من ذلك يرى الخبراء أن من السابق لأوانه تشييع نظام بشار الأسد إلى مثواه الأخير. ويرى البعض أن العامل الاقتصادي هو القوة المحركة الرئيسة للاحتجاجات في سوريا. فقد وجد العديد من السوريين، وخاصة الشباب العاطلون عن العمل، أنفسهم في وضع صعب نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية وخطط الحكومة الرامية إلى جعل أسعار بعض السلع المدعومة سابقا بمستوى أسعار بلدان الجوار وذلك في غضون السنوات القليلة القادمة، ومنها الوقود على سبيل المثال. وبغض النظر عن ذلك يلفت الخبراء الانتباه إلى مشكلات أخرى. يقول رئيس مركز الدراسات العربية والإسلامية في موسكو ألكسندر فيلونيك إن وجود حوالي مليوني لاجئ من الفلسطينيين والعراقيين يعتبر من العوامل المهمة في هذا المجال.

حيث أنه من المفروض على الشعب السوري أن يتعامل مع هؤلاء اللاجئين ويتعايش معهم على أفضل وجه، خاصة وان النظام السوري نفسه مسؤول عنهم، وإذا كان السوريون قد ألفوا العيش مع الفلسطينيين الفقراء في معظمهم الذين يسكنون المخيمات ويبحثون عن فرص عمل متواضعة، فإن الأمر مع العراقيين ليس كذلك، فالميسورون منهم عمدوا إلى شراء المساكن بالجملة ما رفع أسعار العقارات عموما، وزادت الأعباء على المواطن السوري العادي، إن الفلسطينيين والعراقيين سواء بسواء يثيرون حساسية السوريين البسطاء، هذا مع مراعاة وجود مشاكل أخرى كثيرة، والنظام الحاكم هناك لا ينكر وجود هذه المشاكل، بل يعد دائما بالإصلاحات، ومن ناحيته يرى السفير الروسي الأسبق لدى سوريا ألكسندر زوتوف أن هذا البلد بحاجة فعلا للإصلاحات.

وقد أجرى بشار الأسد بعضا منها، إلا أن ما يُنتظر منه أكبر بكثير، إذ عليه أن يصلح حياة سياسية كاملة استقرت وسادت قرابة نصف قرن من الزمان، ولا أحد ينكر أن بشار الأسد ورث عن أبيه تركة حكم ثقيلة للغاية، لكنه منذ البداية وهو يسعى للتغيير والإصلاح، هذا ولا يتوقع الخبراء حتى الآن أن يسقط نظام الأسد قريبا. هذا ويشير فيلونيك إلى أن السوريين بغالبيتهم يؤيدون النظام الذي يوفر لهم فعلا الأمن ومستوى من الكفاية المعيشية، خاصة عندما يقارنون وضعهم بما يشهده العراق. وإضافة إلى ذلك يعتقد المراقبون أن الجيش وأجهزة الأمن في سوريا أكثر ولاء للنظام ورئيسه مقارنة بما كان عليه الوضع في كل من تونس ومصر. وجاء في تصريح أدلى به لوكالة رويترز دبلوماسي غربي يعمل في دمشق ، أن منتسبي المؤسستين العسكرية والأمنية في سوريا سيقدمون على الكثير من أجل المحافظة على السلطة الحالية، ولقد سبق أن برهنوا ذلك، عندما وقع التمرد الذي دبرته جماعة «الإخوان المسلمون» الراديكالية في حماه. وآنذاك أغرق الجيش عمليا التمرد في الدماء إذ قضى على ثلاثين ألف شخص تقريبا. وأيا كان الأمر الآن.

فقد أصبحت الأوضاع صعبة في سوريا واقتربت من حافة الانفجار الكبير، خاصة مع انتشار التظاهرات في معظم مدن سوريا بما فيها العاصمة دمشق، وقد أوصت وزارة خارجية بريطانيا المواطنين البريطانيين بالامتناع عن السفر إلى سوريا، وعلى غرار ذلك تصرفت عدة دول أخرى، ويحاول الرئيس الأسد ونظامه أن يضعوا حدا لهذه الفوضى والاضطرابات، ولكن من الملاحظ أن حدة القمع تزداد بمرور الوقت، ولم تعد الإصلاحات المطروحة من قبل النظام تكفي المتظاهرين الذين ارتفع سقف طلباتهم إلى مستوى المطالبة بإسقاط النظام، ولكن على ما يبدو أن النظام الحاكم في سوريا لن يذهب بالسهولة التي ذهب بها قرينيه في تونس ومصر.