مع وصول نشر «البنتاغون» للقوات في أفغانستان إلى حدوده القصوى، وتصميمها على عدم الدخول في حرب برية في ليبيا، تصعد الضغط من أجل الحفاظ على وجود كبير للقوات الأميركية في العراق، الذي يتمتع اليوم بوضع سلمي إلى حد كبير. فما قد يبدو لأول وهلة غريباً وغير ضروري، يتماشى في حقيقة الأمر تماماً مع طموحات هؤلاء الذين خططوا للغزو قبل ثماني سنوات. وسواء كانوا محافظين جدداً أو «واقعيين»، فقد أرادوا دائماً أن يكون لهم أثر سياسي وعسكري على المدى الطويل في القطاع الشمالي من منطقة الشرق الأوسط، الذي يقع استراتيجيا بين سوريا وإيران.
وكما هي الحال مع الكثير من عناصر هذه الاستراتيجية الجيوسياسية التي ورثها عن سلفه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، فإن الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما يمضي في هذه السياسة قدماً؛ لذلك لا عجب في أن الأدميرال «مايك مولن»، رئيس «الأركان المشتركة الأميركية، كان في بغداد أخيراً لحث الحكومة على تعديل اتفاق يقوم بموجبه جميع القوات الأميركية بمغادرة العراق بحلول نهاية العام الجاري
. وكان وزير الدفاع الأميركي «روبرت غيتس» قد قام بزيارة مماثلة إلى العاصمة العراقية بغداد قبل بضعة أسابيع. خرج المحتجون العراقيون إلى الشوارع مؤخراً، للتنديد بخطط الولايات المتحدة، تجمعهم الفطرة القومية السليمة التي لم يسبق لها مثيل منذ العام الأول للاحتلال الأميركي، قبل أن يتم إشعال الانقسامات الطائفية بشكل مصطنع. في الموصل، تظاهر حوالي خمسة آلاف شخص، بمن فيهم أعضاء مجلس المحافظة وزعماء القبائل، ضد أي تمديد للوجود الأميركي، في حين تظاهر أنصار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في مسيرة في بغداد.
ولعبت عملية إحياء الكرامة الوطنية دوراً كبيراً في إقناع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، للوقوف بحزم ضد إدارة بوش في الأشهر الأخيرة من ولايته، عندما اضطر البيت الأبيض للموافقة على سحب جميع القوات المقاتلة من العراق في الصيف الماضي، والقبول بتحديد موعد أخير لمغادرة القوات المتبقية التي يبلغ قوامها 47 ألف جندي، في نهاية العام الجاري.
ووجه «مولن» و«غيتس» تحذيراً للحكومة العراقية، من خطر نشوب اشتباكات عربية ـ كردية على حقول النفط حول كركوك، والتهديد من قبل تنظيم القاعدة الذي يتطلب بقاء من القوات الأميركية. ويقول أصحاب الحجة المضادة: إن العراق قد نجا من انسحاب القوات الأميركية المقاتلة لمدة تسعة شهور، دون أي انهيار للأمن. وفي وقت كان العرب في جميع أنحاء المنطقة يكافحون لكسب حقوقهم وكرامتهم، فلماذا يتعين أن يخضع العراق لإذلال كبير جراء وجود قوة برية أميركية، وهو الأمر الذي لا ترضاه أي دولة عربية أخرى في المنطقة؟
وخلافا لما حدث في نهاية 2008، عندما تم التوصل إلى اتفاق بشأن القوات الأميركية، فإن مقتضى الصدر الآن لديه كتلة من الوزراء في الحكومة العراقية، ويمكن أن يكون من الأسهل حالياً بالنسبة للمالكي مقاومة الأميركيين. وهو يواجه ضغوط «الربيع العربي» في بلاده، بعد انضمام الألوف من المحتجين في ما يطلق عليه «يوم الغضب» في فبراير الماضي، ضد البطالة والفساد ونقص الكهرباء.
أما الخلاف الذي يلوح في الأفق فقد فرض نفسه بقوة مؤخراً، في أعقاب نشر وثائق رسمية تظهر موافقة الحكومة قبل أشهر عدة من الغزو البريطاني عام 2003 في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، على الضغط على إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش باسم شركة بريتش بتروليوم. وكانت القضية عبارة عن أن الشركات البريطانية يجب أن تستفيد من عقود النفط في مرحلة ما بعد صدام، إذا كانت بريطانيا ستؤيد تغيير النظام.