ترتد الولايات المتحدة، ببطء لكن بثبات، عائدة نحو مقعد قيادة دفة حرب الغرب على الرئيس الليبي معمر القذافي. يتحدث وزير الدفاع الأميركي «روبرت غيتس» فقط بشأن القيام بمساهمة جديدة ومتواضعة في حملة «ناتو» الجوية ضد نظام القذافي، غير أنه لا ينبغي أن ينخدع أحد بعبارات التواضع. يعتبر القرار الذي اتخذته أميركا بنشر طائرات بدون طيار لدعم مواقع الثوار الليبيين، بمثابة تطور بالغ الأهمية في الصراع، تدل على لحظة قبول واشنطن بفكرة أن خلع القذافي يحتاج إلى مزيد من قوة النيران.
قبل أسابيع قليلة، تحديداً في الرابع من ابريل الجاري، سلمت واشنطن دور القيادة في الحملة العسكرية إلى حلف «ناتو»، من خلال تسليم مهمة الإطاحة بالقذافي إلى بريطانيا وفرنسا. ومنذ ذلك الحين سيطر الجمود على الثوار، فقد انضمت القبائل الرئيسة «المتأرجحة» في ليبيا إلى القذافي، وأصبح النظام أكثر ثقة، وبادرت قوات القذافي بقصف الجانب الغربي من مدينة مصراتة. ومن دون زيادة المساعدات العسكرية الأميركية، يبدو أن مصير الثوار هو الإبقاء على السيطرة على بنغازي فقط، تلك المساحة من الأرض في شرق ليبيا، وربما جزء من مصراتة. في أسوأ الأحوال، يمكن أن يسقط الجانب الغربي، مما يوفر للقذافي دعاية بالانتصار، وكذلك تمكينه من إطلاق الجنود تجاه الجبهة الشرقية، بينما سيكون احتمال قيام الولايات المتحدة بدور أكثر نشاطا في الصراع، بمثابة مصدر ارتياح كبير لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وكلاهما الآن يشعران بالندم بالتأكيد، على حديثهما الواثق بشأن تغيير النظام في وقت سابق، حيث إن الرئيس الأميركي باراك أوباما سوف يكون مفعماً بالهواجس.
تتخذ حفنة من كبار الساسة في الولايات المتحدة، مثل السيناتور الجمهوري «جون ماكين» الذي زار بنغازي مؤخراً، موقفاً حازماً داعياً إلى التدخل الغربي للإطاحة بالقذافي. بخلاف ذلك، فإن قضية ليبيا لا تحظى سوى باهتمام ضئيل من قبل الجمهوريين أو الديمقراطيين، أو من قبل الرأي العام بصفة عامة. في الواقع، لم تكن ليبيا تعتبر ذات أهمية استراتيجية بوجه خاص؛ ولهذا السبب لم يعترض أحد على إيطاليا، التي تعتبر القوة العظمى الأقل أهمية في مطلع القرن العشرين، التي احتلتها قبل الحرب العالمية الأولى فقط. وكبند ضمن قائمة أولويات السياسة الخارجية في واشنطن، فإن ليبيا تأتي في مرتبة متدنية كثيراً عن دول أخرى في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، فقد خلص أوباما على مضض إلى أنه لا يستطيع أن يسمح بإذلال «ناتو» في ليبيا، وأنه إذا لم تضطلع أميركا بدور أكثر فعالية في محاولة صياغة مستقبل ليبيا، فالخطر الكامن هو أنها سوف تنزلق إلى الهاوية. وهناك اعتبارات أخرى تضاعف الشعور الملح، الذي يسود بين صانعي السياسات الغربية بشأن ليبيا. فقد دفع الصراع بالفعل إلى فرار ربع مليون شخص عبر الحدود، إلى تونس بشكل رئيس. ويتمثل السيناريو الكابوسي بالنسبة للبلدان الواقعة على الجانب الآخر من البحر المتوسط، في أن تدفق اللاجئين إلى الشمال، الذي زادت وتيرته في الآونة الأخيرة، سوف يتحول إلى طوفان، إذا استمر الصراع دون توقف. لابد أن يحدونا الأمل بأن تسرّع الطائرات الأميركية بدون طيار، عملية تجريد قوات القذافي من قدراتها العسكرية، وتخفيف وطأة الوضع في مصراتة، وإجبار السلطات في طرابلس على إبداء الجدية بشأن التفاوض حول وضع نهاية لهذا الصراع، حيث يتضمن أحد عناصر التسوية رحيل القذافي. سوف يسود القلق في واشنطن بشأن أن الولايات المتحدة تتورط في حرب لا نهاية لها في الأفق، ليست لها مصلحة حقيقية فيها، وأن كل «مساهمة متواضعة» جديدة، تحفز الدعوات لأن تقوم أميركا ببذل المزيد من الجهد.