يمكن أن يفضي الجمود في العمليات العسكرية إلى التقسيم الفعلي لليبيا، في ظل سيطرة الرئيس الليبي معمر القذافي على المناطق الغربية، وسيطرة الثوّار على الشرق. ولن يكون ذلك أمراً طيباً بالنسبة لليبيا أو للاستقرار الإقليمي، فإذا استمر الجمود العسكري في ليبيا، فإنها ستبدو متجهة إلى تقسيم فعلي، أو هكذا يدور الجدل. سوف تنقسم ليبيا على أسس قبلية، بين أنصار القذافي في الغرب، ومؤيدي الثوّار في شرق البلاد الغني بالنفط. ويدور الجدل كذلك حول أن ليبيا المقسمة لا بد من تجنبها بقوة.

لكن لماذا؟ ألم يتحرك القرن العشرون نحو انفصال جيوسياسي؟ لقد انقسمت منطقة جنوب آسيا بعد سقوط الامبراطورية البريطانية، وتشرذم الاتحاد السوفييتي السابق بعد زوال الشيوعية. كما انقسمت الدول، أيضاً، بما في ذلك باكستان ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا. وهناك مثال أكثر حداثة على حدود ليبيا. ففي استفتاء أجري في يناير الماضي، صوّت الجنوب السوداني لصالح الاستقلال عن السودان، بعد عقود من الحرب الأهلية الدموية. مثل جارتها الجنوبية، ألا تعتبر ليبيا أيضاً «دولة مصطنعة»، تم ترسيم حدودها مثل الكثير من الدول في إفريقيا والشرق الأوسط، دون النظر إلى القبيلة أو الدين من قبل قوى الاحتلال؟ ورغم ذلك، ليس من الصواب اتخاذ قرار خاطئ بتقسيم ليبيا إلى دولتين. بداية، فإن الليبيين لا يريدون ذلك، ولا الثوّار (وفقاً لقادتهم)، ولا القذافي (على أساس تكتيكاته العسكرية).

نعم، تتسم التوترات القبلية بأنها قوية، وتم استغلالها من قبل القذافي الوحشي، لإيجاد أنصار مخلصين له طيلة أربعة عقود أمضاها في السلطة. لكن المعركة الأكبر من ذلك بكثير، تتمثل في الديمقراطية مقابل الدكتاتورية.

كما يتعين على المرء أيضاً أن يتشكك في فرضية «الدولة المصطنعة». فلا بد من الإشارة إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجدت ضمن حدودها الحالية، بغض النظر عن القبضات الصارمة، على امتداد فترة أطول من أي كيانات جيوسياسية أخرى في العالم، فقد تأصلت فيها قومية بعينها. حتى في العراق، ذي التوجهات العقائدية المختلفة، فإن الأفضلية تكون للمصالحة. والعراقيون لا يريدون العودة إلى الصراع الطائفي، رغم ما هو قائم من أنهم ما زالوا يحاولون إخفاء حوار ضروري بشأن الحقوق والاختلافات. الأمر المشجع أن المجلس الوطني الانتقالي الذي يقود الثورة في ليبيا، يدير بالفعل حواراً عن المصالحة الوطنية في مرحلة ما بعد القذافي.

من الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الأمين العام لـ «ناتو» «أندرس فوغ راسموسن»، فقد بثت مسألة تقسيم ليبيا في ظل إحكام القذافي قبضته على طرابلس، حالة من الرعب. وعلى الأرجح فإن الحرب الأهلية المحتملة سوف تستمر، فاتحة المجال لإحداث حالة من عدم الاستقرار في المنطقة. وتحذر الولايات المتحدة من صومال أخرى، كدولة فاشلة من الانفلات الأمني والفوضى، تشكل نقطة انطلاق للإرهابيين والقراصنة.

وعلى الأرجح فإن مسألة تقسيم ليبيا المطروحة منذ فترة طويلة، من شأنها إحداث خلخلة في الاتحاد الهش للبلدان التي تدعم قرار الأمم المتحدة بالتفويض لفرض منطقة حظر الطيران فوق ليبيا، وغيرها من التدابير التي تستهدف حماية المدنيين. فلنتذكر أن خمسة أعضاء في مجلس الأمن امتنعوا عن منح تفويض في هذا الصدد، وليس كل أعضاء «ناتو»، الذي يقود العمل العسكري، مشاركين. فهناك خلافات داخل «ناتو» بشأن من سيقوم بأية مهمة، وكيف يتم تنفيذها.

في نهاية المطاف، فإن المجتمع الدولي لا بد له من العمل على تنحية القذافي من السلطة، من خلال الضغط السياسي والعسكري. وعندئذ فحسب يمكن لليبيا أن تبدأ عهداً جديداً، يحس فيه مواطنوها بالحرية في تشكيل مصيرهم فردياً وجماعياً.