ربما تكون ليبيا، البلد الوحيد الذي أصبحت فيه الثورة العربية صراعاً مسلحاً، أحد الأماكن القليلة التي يواصل فيها النظام بقاءه على حاله.

ويؤكد تجدّد الاشتباكات الأخيرة بين كتائب الرئيس الليبي معمر القذافي وقوات المعارضة، قرب أجدابيا شرقي ليبيا، على شيء كان يتعين على القوى الغربية أن تدركه منذ وقت طويل،.

وهو أن جيش الثوار ليس قوة مقاتلة. فقد تمكن هذا الجيش من طرد المسؤولين من بنغازي واضطر للقتال من أجل تحقيق هذا الغرض، ولكن عندما يتعلق الأمر بالقتال الحقيقي، فكل ما فعله الثوار هو التراجع.

والتقدم البري الذي تحقق، تم تأمينه فقط بمساعدة ضربات «ناتو» الجوية.

وبعد أن لاذت كتائب القذافي بالفرار، يتعين على الثوّار التمسك بموقفهم والصمود. وإذا كانت هناك حرب تدور، فهي تلك التي تدور بين قوات القذافي والناتو.

كما أننا لا يجب أن نخدع أنفسنا بأن تدريب المهام الذي وفرته القوات الجوية البريطانية الخاصة، سوف يحدث فارقاً. ومسألة توفير أسلحة ثقيلة لقوة تفتقر إلى القيادة والتنظيم، يعد فكرة أكثر سوءاً.

فقوات القذافي تمكنت من التكيف مع الضربات الجوية في الصحراء، وعمدت إلى إخفاء دباباتها واستخدام عربات صغيرة وسريعة، يتعذر تمييزها عن تلك التي يقاتلون بها.

أما الثوار فقد واصلوا، في الوقت نفسه، الانتشار على امتداد طريق ساحلي يبلغ طوله ‬150 كيلومتراً، مزودين بأسلحة يجهل الكثير منهم استخدامها.

فلو أنهم حاولوا القيام بذلك باستخدام الدبابات والمدفعية الثقيلة، لكانوا سرعان ما يخسرونها، وسوف يسلح التحالف الطرف الخاطئ.

ربما بلغ «الناتو» أيضاً أقصى حدوده التي يمكنه الوصول إليها في استخدام القوة الجوية، بعدما أخطأت طائراته الحربية للمرة الثانية في أقلل من أسبوع، وأصابت أهدافاً صديقة.

وربما ساهمت الضربات الجوية التي يقوم بها «الناتو»، في تقليص قدرة قوات القذافي إلى درجة أنها لم تعد تمثل تهديداً لبنغازي، لكن هذا أمر مختلف تمام الاختلاف عن انسحاب القذافي من طرابلس.

ليبيا هي البلد الوحيد الذي تحولت فيه الثورة العربية إلى صراع مسلح، ولهذا السبب نفسه ربما تعتبر واحدة من الأماكن التي يظل فيها النظام باقيا في السلطة. وإذا كانت هذه الأوضاع كلها توحي بحالة جمود.

والأسوأ من ذلك تقسيم ليبيا، فإن هناك احتمالا بأن تبدأ مسألة وقف إطلاق النار في الظهور بمظهر أكثر جاذبية للطرفين كليهما.

يمكن لعنصرين في خطة السلام التي طرحت من جانب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، أن يكونا محل ترحيب لدى المعارضة، وهما وقف إطلاق النار في المدن التي تحاصرها قوات القذافي، وتوفير ممر آمن للإمدادات الإنسانية.

ومن خلال استعادة مدنهم، فإن ذلك من شأنه أن يسمح للثوار بالعودة إلى تنظيم ثورة، وهو ما كان سيرفضه القذافي تماماً. بينما يشكل العنصر الثالث، الذي يتمثل في إجراء مفاوضات تفضي إلى انتخابات، مصدر قلق لدى قيادة الثوار في بنغازي، لأن العملية قد تطول كثيرا.

الرهان الآن هو تقرير الطريقة التي سوف تتفاعل من خلالها عشيرة القذافي مع هذا الوضع، في ظل انقساماتها والشكوك حول دور سيف القذافي.

فلو أن سيف الإسلام نجل القذافي يعمل نحو استراتيجية خروج لا تشكل إهانة لوالده، من خلال حكومة مؤقتة وفترة انتقالية تبقيه في الحكم دون سلطات، عندئذ سوف تجدي المبادرة التركية نفعاً.

ربما تكون الحرب الجوية قد أمنت أماكن في ليبيا، لكن القذافي أظهر للمرة الثانية في حياته، أنه لا يزال يقف في معقله. وهذا وضع يمكن أن يتغير، ولكن كم من الدول في «ناتو» تثق بأن هذا سيحدث؟