بعد ثلاثة أسابيع من الضربات الجوية الأولى فوق مناطق شرق ليبيا بتفويض من مجلس الأمن، هناك شعور واضح بأن الصراع آخذ في الجمود. ويظل المبرر للتدخل العسكري، والتعجل الذي تم من خلاله هذا التدخل، قائمين اليوم كما كانا آنذاك.
دون اتخاذ إجراء سريع وحاسم من هذا القبيل، فإن توقع حمام دم في بنغازي يمكن أن يتحقق. ربما كان يمكن أن يتم سحق الثورة، قبل أن تكون قد أتيحت لها فرصة لتوحيد الصفوف. لا يوجد مجال هنا لطرح الاحتمالات، غير أنه بمرور الوقت، أصبحت حقائق معينة أكثر وضوحا، ولا يلقى جميعها ترحيباً. إحدى هذه الحقائق تتمثل في الطبيعة المتنافرة للمعارضة ضد عشيرة القذافي. ونظرا للطبيعة القمعية لحكم القذافي، فينبغي إلا يكون هناك استغراب من أن أولئك الذين يحاولون التوحد في مواجهته، يبدون إما غير مستعدين للقتال، أو للحكم إذا قدر لهم الانتصار.
الحقيقة الأخرى تتمثل في تصميم القذافي وقوته المتواصلين. في بداية التدخل العسكري، بدت قواته في تراجع تام، وبدا الطريق مفتوحاً للقوى المعارضة لدعم مكاسبها موحدة في الشرق والإسراع تجاه طرابلس. ومن المفارقات أنه قبل الغارات الجوية الأولى بيوم واحد، حدثت النكسات الخطيرة الأولى للمعارضة. ومنذ ذلك الحين، كانت مسألة السيطرة على الجزء الغربي من مدينة مصراتة مثار تنازع مستمر، وفرضت جبهة متحركة نفسها بين أجدابيا والبريقة في الشرق.
كذلك شهد هيكل قيادة التدخل العسكري تغيرات، فقد تخلت الولايات المتحدة عن القيادة العامة لصالح «ناتو»، مع وجود تقارير تفيد بعدم التقاء البريطانيين والفرنسيين دائما في وجهات النظر بشأن الأهداف. وتم ارتكاب أخطاء على نحو ضمني لم يكن بالضرورة مرتبطا بهذا، وكان آخرها أنباء عن مصرع 13 شخصاً نتيجة هجوم على دبابات للثوار. قال متحدث باسم «ناتو» إن التحالف لم يكن على علم بأن المعارضة الليبية كانت لديها دبابات تحت تصرفها، لذا فقد افترض أنها تابعة للقوات الحكومية، معربا عن أسفه لوقوع قتلى، لكنه رفض تقديم اعتذار، مصراً على القول: «إن مهمتنا هي حماية المدنيين».
تؤكد هذه الصياغة عن حق، القيود المفروضة على التدخل. في البداية، كان للضربات الجوية تأثير لدعم المعارضة. لم يعتمد قرار الأمم المتحدة استخدام القوة كداعم للثوار، حيث كان تركيز القرار على حماية المدنيين. أما الآن، فدخول قرار فرض منطقة حظر الطيران حيز التنفيذ وسيطرة المعارضة على مزيد من العتاد، فإن القتال في شرق ليبيا، على الأقل، يعد أكثر توازناً. رغم أن البعض أثار قضية إمداد الثوار الليبيين بالأسلحة، فربما يكون الأمر يتعلق بمسألة أنهم تلقوا الآن أكبر قدر من المساعدة، وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 1973 في هذا الصدد. ربما يكون تغيير النظام أمراً مرغوباً فيه، لكنه لم يكن أبداً الغرض الرسمي من التدخل.
لو أن الصراع في ليبيا، كما يبدو، يدخل في حالة جمود، مع استمرار القذافي إحكام قبضته في غرب ليبيا، وإحكام المعارضة سيطرتها بلا منازع تقريبا في الشرق، وربما يكون الوقت قد اقترب من تركيز الاهتمام على نتيجة تقل عن تحقيق انتصار كامل للمعارضة. قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن تقسيم ليبيا، ولكن الاعتراف بالأمر الواقع بوجود منطقتين منفصلتين تحت سيطرة مؤقتة، قد يكون الحل الأمثل. ليس هناك ما يشير حتى الآن إلى أن ذلك سوف يكون مقبولاً لدى الجانبين، وربما يضطر «ناتو» إلى الاستمرار في تمويل منطقة حظر الطيران والإبقاء عليها، لكن تحقيق سلام مضطرب، قد يكون أمراً مفضلاً للجميع عن حرب لا نهاية لها في الصحراء.