اتسمت عملية بناء الديمقراطية في مصر بأنها متفاوتة، منذ الاحتجاجات التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، لكنها تمضي قدماً. والشعب المصري هو في أفضل وضعية للإبقاء على العملية في هذا المسار. تتسم الثورة المصرية من بين كل الثورات الديمقراطية التي تشهدها المنطقة العربية، بأنها الأكثر جلباً للتبعات. فمصر بوصفها أكثر الدول العربية سكاناً والعملاق التاريخي في الثقافة العربية والسياسة الإقليمية، يمكنها أن تكون قدوة وعامل استقرار لهذه المنطقة المضطربة.
منذ أن أُجبر مبارك على التنحي يوم 11 فبراير الماضي، اتسم التقدم بالتفاوت على نحو متوقع. على الجانب الديمقراطي الإيجابي، وافق الناخبون بأغلبية ساحقة على التعديلات التي أجريت على الدستور القائم، الأمر الذي فتح المجال أمام العملية السياسية. سوف يكون أي رئيس جديد مقيداً بفترتين من أربع سنوات لكل فترة، بالإضافة إلى رفع القيود المفروضة على أنماط المرشحين. ومن المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية في سبتمبر المقبل، تليها انتخابات رئاسية. للأسف، يعد الجدول الزمني المتسرع للتصويت، في صالح الجماعات السياسية القائمة، مثل جماعة الإخوان المسلمين والحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يتولى رئاسته الرئيس السابق. وهؤلاء الذين بدأوا الثورة، يناضلون في الوقت ذاته من أجل التنظيم والاندماج في أحزاب سياسية.
وقد اعترضوا على صياغة التعديلات، التي جرت في نطاق ضيق. وقالت جماعة الإخوان إنها لن تقدم مرشحاً للرئاسة، لكن أولئك الذين يخشون من اعتلاء الإسلاميين الأصوليين سدة السلطة، قلقون من مكاسب برلمانية للجماعة، التي سوف تؤثر حينئذ على صياغة دستور جديد. ويمكن ألا يكونوا مصدراً للخوف، وإنما يتمثل هذا المصدر في أقلية من السلفيين الأصوليين الذين تتزايد جرأتهم يوما بعد آخر.
في الوقت نفسه، خيمت حالة معينة من الخوف في الشوارع. فقد ارتفع معدل الجريمة بشكل كبير، عندما غابت الشرطة المكروهة على مدار أحداث الثورة، وتم فتح العديد من السجون وإطلاق سراح المجرمين منها. عادت الشرطة الآن، لكن بشكل أكثر جبناً وبأعداد أقل. وقام الجيش باعتقال متظاهرين، وتفيد تقارير أنه مارس التعذيب.
يعاني الاقتصاد المصري أيضا بسبب حالة انعدام الأمن، فقد قطعت الثورة حركة التجارة المصرية، وتشكل حالة عدم الاستقرار السياسي عاملاً مثبطاً. ورغم ملاحقة قادة المجلس العسكري حالياً لزمرة الفساد من عهد مبارك (بمن فيهم مبارك نفسه)، إلا أن البعض يساوره القلق من أن الأشخاص الذين حاولوا تحرير اقتصاد مصر، هم أنفسهم الذين يجري استهدافهم. تلقي هذه التطورات أيضاً بظلالها على جبهة السياسة الخارجية. تقول مصر إنها سوف تحترم معاهداتها الدولية، بما في ذلك اتفاق السلام مع إسرائيل. ومؤخراً أعلنت القاهرة أنها سوف تستأنف العلاقات الدبلوماسية مع إيران، بعد انقطاع دام أكثر من 30 عاماً. يرتبط العديد من الديمقراطيات بعلاقات مع طهران، بالطبع، لكن هل ستميل مصر إلى استرضاء إيران على حساب دور القاهرة كوسيط تقليدي للتوصل إلى حل سلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟
الآن، وفي المستقبل، تحتاج عملية الديمقراطية المتذبذبة التي يجري تشكيلها في مصر، إلى دعم من جانب المجتمع الدولي، الذي تكمن مصلحته الذاتية في أن يرى نجاح هذه التجربة العظيمة. ويتعين على البلدان الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة، أن تبدي استعدادها لمساعدة مصر في التجارة والاستثمارات الرأسمالية والمعونة وبناء المؤسسات، لكن بناء على طلب من المصريين أنفسهم.