من الصعب، ونحن نعيش في هذا العالم الرقمي القائم على الادعاء والرد الفوري، أن تقول إنك كنت على خطأ. لكن تراجع ريتشارد غولدستون، رئيس لجنة التحقيق في جرائم إسرائيل خلال عملية «الرصاص المصبوب» ضد قطاع غزة، عن إحدى الطروحات في التقرير الذي صدر، أن إسرائيل استهدفت المدنيين في الحرب على غزة كسياسة تتبعها، هو مثال على هذه الحالة. وتحسب لـ«غولدستون» نزاهته.

 أما تقرير ما إذا كانت بقية الادعاءات الأخرى الواردة بالتقرير المؤلف من ‬575 صفحة قد أصبحت باطلة فهي مسألة أخرى تماماً. لقد كان تقرير غولدستون بمثابة بعثة لتقصي الحقائق، وليس تحقيقاً قضائياً. وهو ليس وثيقة حكم قضائي، ولكنه يطرح الأدلة لإجراء المزيد من التحقيق.

إذن فما هي الحقائق التي دعت غولدستون للتراجع؟ إنها ثلاث حقائق، بصورة رئيسة، تتمثل في أن قصف منزل أسفر عن مقتل ‬22 شخصاً من عائلة واحدة كان نتيجة التفسير الخاطئ لقائد إسرائيلي لصورة من طائرة موجهة عن بُعد، أن الضابط لايزال يخضع للتحقيق، وأن إسرائيل منذ ذلك الحين أجرت تحقيقات بشأن أكثر من ‬400 تهمة سوء إدارة للعمليات العسكرية. فإذا كان يعلم «غولدستون» حينها ما يعرفه الآن، كما يقول، لكان التقرير مختلفا تماماً.

يختلف اثنان من الأعضاء الثلاثة الآخرين في البعثة مع رئيسهم السابق على تغيير موقفه. فقد قالت «هينا جيلاني»، التي عملت ضمن مهمة مماثلة لتقصي الحقائق بشأن دارفور: إنه لا يوجد أي شيء من شأنه تغيير مضمون التقرير الأصلي، فيما قال «ديزموند ترافرس»، وهو خبير في التحقيقات الجنائية الدولية:

إنه لايزال يشعر بأن الصياغة العامة للتقرير لاتزال صحيحة في مجملها. لقد انفصل غولدستون عن الأعضاء الآخرين الذين كانوا يعملون ضمن مهمته؛ لذلك فإن الأمر يستحق العودة إلى التقرير الأصلي. يشير الجزء الذي تم التراجع فيه إلى الهجوم الذي أسفر عن مقتل ‬22 من أعضاء عائلة السموني، الذين كانوا يختبئون، بناءً على تعليمات من الجنود الإسرائيليين، في منزل في حي الزيتون.

لكن هناك ‬35 حادثة أخرى أجرى بشأنها فريق غولدستون التحقيق. وتبين من خلال سبع حالات منها أن المدنيين قتلوا أثناء مغادرتهم منازلهم وهم يلوحون بأعلام بيضاء، وهجوم مباشر ومتعمد على إحدى المستشفيات قد يرقى إلى اعتباره جريمة من جرائم الحرب، وحوادث عديدة تم خلالها منع سيارات الإسعاف من الحضور لتمريض إصابات خطيرة.

وتسع هجمات على البنية التحتية المدنية لم تكن لها أي أهمية عسكرية، مثل مطاحن الدقيق ومزارع الدجاج وأعمال الصرف الصحي وآبار المياه، والتي تأتي جميعها في إطار حملة لحرمان المدنيين من الضروريات الأساسية. تشير الفقرة الرئيسية من التقرير إلى ما يلي:

«تجد البعثة أن سلوك القوات المسلحة الإسرائيلية يشكل انتهاكات خطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة، فيما يتعلق بالقتل العمد والتسبب عمدا في معاناة كبيرة للأشخاص المحميين على هذا النحو الذي يثير المسؤولية الجنائية الفردية». وفيما يتعلق بقتل أفراد من عائلة السموني، يورد التقرير أنه على الرغم من الواقعة كانت ترقى إلى درجة خطأ في العمليات، تخلص البعثة إلى أن خطأً قد تم ارتكابه، ويشير إلى إنه سوف تبقى «مسؤولية دولة إسرائيل عن فعل غير مشروع دوليا». كل هذا لايزال قائماً.