كان من المؤسف أن يكون اليوم نفسه الذي انعقد فيه مؤتمر لندن مؤخراً، متزامناً مع سلسلة الانتكاسات التي منيت بها القوى المناوئة للرئيس الليبي معمر للقذافي. وكان تحقيق المزيد من التقدم، من شأنه بالضرورة أن يجعل الأذهان تتجه إلى ما هو معروف في العراق باسم «سيناريو اليوم التالي»، حيث تم الإعداد لذلك اليوم والتعامل معه على نحو كارثي. تقدم تلك الكارثة على الأقل درساً في ما يتعلق بما ينبغي اعتماده في مرحلة ما بعد التدخل العسكري. لذا كان من المفيد أن نسمع من وزير الخارجية البريطاني «وليام هيغ»، أن أعضاء التحالف الذين يفرضون قراري مجلس الأمن الدولي على ليبيا، يدرسون ما يحدث عندما ينتهي القتال. وتكمن الصعوبة، رغم ذلك، في أن هناك على ما يبدو مسافة بين الوقت الحالي وذلك الوقت المستقبلي، ويبقى ما يمكن استنتاجه، بعبارة ملطفة، من الصعب التنبؤ به.
ويحسب لـ«هيغ» أنه لم يبذل أي محاولة للادعاء بأن الوضع على الأرض كان أكثر من مفتوح على كل الاحتمالات، كما أنه لم يحاول إعطاء الانطباع بأنه تم الاتفاق على القرارات الرئيسية، حتى ولو بدا أنه يراوغ. ساد شعور بأن جميع العمليات العسكرية لا بد أن تلبي الاحتمالات غير المتوقعة، وهو الشعور نفسه الذي يوجب على الدبلوماسية أن تحتفظ بشيء ما في جعبتها. غير أنه، كما اتضح من مداولات مجلس العموم البريطاني، فإن هناك ثلاث قضايا هامة تبدأ في التبلور، وهي مصداقية المعارضة الليبية، وما إذا كان سيتم تسليحها، وما هي الخيارات، إن وجدت، التي قد تكون متاحة للقذافي وعائلته؟ يمكن القول إن الوقت تأخر قليلاً بالنسبة للتردد في ما يتعلق بقوى المعارضة، نظرا إلى أن منطقة حظر الطيران بتفويض من الأمم المتحدة، من المرجح أنها ستحول الصراع لصالحهم. ولا تبعث التقارير بشأن تزايد الانقسامات في صفوفهم على الثقة الهائلة. وبالمثل، فمن المهم عدم الرضوخ لمثيري الذعر الملتفين حول القذافي بشأن تسلل تنظيم القاعدة.
أما القضيتان الأخريان فهما أكثر تعقيداً، وتتعلقان على الخصوص بما إذا كان سيتم تسليح المعارضة أم لا. يبدو أن تفكير بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة قد تحول بالتأكيد، حيث شنت القوات الموالية للقذافي هجوما مضاداً. تشير وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الآن، إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 1973 ربما يكون قد طغى على مسألة الحظر المفروض على الأسلحة المعمول به حالياً، ويرفض رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون استبعاد مسألة إمداد المعارضة بالأسلحة.
إن مثل هذا التغير، رغم ذلك، سيكون محفوفاً بالمخاطر إلى أقصى حد. فالكثيرون يعتقدون أنه إذا استمر الصراع في ليبيا، فإن كميات من الأسلحة سوف تدخل البلاد، بغض النظر عن أي شيء تفوضه الأمم المتحدة. سيكون لقرار صريح بتوريد أسلحة للمعارضة الليبية أثران، أحدهما في المدى القصير، أنه سوف ينهي أي ادعاء من قبل التحالف بالحياد، وعلى المدى الطويل فإن هناك نموذج أفغانستان، حيث تستخدم الأسلحة التي كان يتم توريدها من قبل الولايات المتحدة للجماعات المناوئة للسوفيت، ضد القوات الأميركية من جانب طالبان.
إذا لم يكن الأعضاء الثلاثة الرئيسيون في التحالف واثقين من مواقفهم حول تسليح المعارضة الليبية، فهم على الأقل متحدون في مسألة عدم التيقن. ويبدو أنهم منقسمون إزاء مصير القذافي، في ظل إصرار بريطانيا على أنه لا بد أن يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، فيما يبدو أن الولايات المتحدة أمام احتمال نفيه. ربما يعكس هذا الاختلاف تقييمات متضاربة حيال نوايا الزعيم الليبي، وفي الوقت نفسه، ربما لا تكون تلك هي أفضل طريقة لإقناعه بأنه لا بد أن يتخلى عن السلطة.