عكست السرعة التي تم بها اتخاذ القرارات النهائية حول التدخل العسكري في ليبيا، شعورا جديراً بالإعجاب، بضرورة المسارعة. كان هناك في الأساس سباق للوصول إلى بنغازي، ولو أنه لم يتم شن الضربات الجوية الأولى في وقت وقوعها، لكانت قوات الرئيس الليبي معمر القذافي قد اكتسحت المدينة. وكما قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، خلال افتتاح المناقشة في مجلس العموم، فإن المذبحة كانت قد بدأت بالفعل. غير أن هذه السرعة الضرورية، كان معناها أن عددا من القرارات بالغة الأهمية لم يتم حسمها، ومنها ما هو أساسي كالاتفاق على هيكل قيادة العملية ككل. وكانت تكلفة هذا الإلغاء واضحة على نحو متزايد ومثير للحرج. فلم يقتصر الارتباك الصارخ على الهدف النهائي، فيما يتجاوز مسألة حماية المدنيين، ولكن أيضاَ بشأن الشكوك حول من سيتولى مسؤولية القيادة، في حال رفضت واشنطن تولي القيادة الشاملة، وهو ما حرصت على القيام به.
تم التوصل إلى اتفاق، أخيراً، يدفع إلى حد ما في اتجاه تسوية هذا الأمر. وبموجب الاتفاق يتولى «ناتو» المسؤولية من الولايات المتحدة، لفرض منطقة حظر الطيران فوق ليبيا وحظر دخول الأسلحة، بينما تتولى بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة القرارات المتعلقة بالأهداف على الأرض. ويعكس هذا التقسيم رفض تركيا التصديق على العمليات التي ستترتب عليها غارات برية، ومفاوضات مكثفة لتحديد مهمة تلقى قبولاً لدى جميع حلفاء «ناتو» الثمانية والعشرين. ومن الواضح أن ألمانيا امتنعت عن التصويت بشأن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973، الذي خوّل القيام بالعمل العسكري، وأعربت الجامعة العربية في وقت لاحق عن التوجس حول الكيفية التي تم بها تفسير القرار.
وخلال كلمته التي ألقاها مؤخراً في بروكسل، قال «كاميرون» إن عملية تسليم القيادة من الولايات المتحدة إلى «ناتو» سوف يتم تنفيذها «بشكل سلس». وفي خطوة أخرى تهدف إلى التخلص من هذا الشقاق، فإن الاتحاد الأوروبي أيضا سوف يقوم بدوره، من خلال توفير المساعدات الإنسانية والدعم العسكري. غير أنه لا يمكن لكل هذه الجهود، للتوصل إلى توافق في الآراء تشتد الحاجة إليه، أن تخفي الحاجة المستمرة للإجماع أو تحجب الارتباك الذي يشوب الترتيبات الجديدة.
لا شك أن «ناتو» يمتلك الخبرة والدراية والقدرة اللازمة لفرض منطقة حظر الطيران، إلا أن سابقة كوسوفو تشير إلى أن الاتفاق على تحديد أهداف أرضية قد لا يكون واضحاً دائماً. وهناك دروس في هذا الصدد، بعيداً عن الدرس البارز الذي يتمثل في الحاجة، من الناحية المثالية، إلى وضع اللمسات الأخيرة على ترتيبات القيادة قبل، وليس أثناء، العملية العسكرية. الدرس الأول، هو أن العالم ربما يتعين عليه التعود على التعامل مع الولايات المتحدة التي لا تسعى إلى القيادة. وفي هذا الصدد، ربما يكون الرئيس الأميركي باراك أوباما شخصية فريدة من نوعها، وربما تكون رغبته في التقارب مع العالم الإسلامي أيضا خاصة به وحده وبعصره ومكانه. فلو أننا، رغم ذلك، نرى نهاية حقبة من التدخل الأميركي، فإن أوروبا على وجه الخصوص قد تضطر إلى التغيير أيضا. أما الدرس الثاني فيتعلق بالأمم المتحدة. فقد سادت حالة من الانقسام بين التكتلات العالمية الرئيسية، مثل الاتحاد الأوروبي و«ناتو» والجامعة العربية، إزاء التدخل العسكري في ليبيا. وتجاهل قرار مجلس الأمن بشكل عملي تلك الانقسامات، لكنها أدت إلى تعقيد تطبيق القرار. فلو كانت الأمم المتحدة تمتلك قوة عسكرية خاصة بها تقوم باستدعائها، بدلا من مجرد تفويض قوات لحفظ السلام، ربما كان الانتقال من القول إلى الفعل أكثر بساطة. تستحق مسألة توفير قدرة عسكرية للأمم المتحدة أن يتم إحياؤها.