يتمتع الشرق الأوسط بموقع استراتيجي في السياسة الجغرافية العالمية، الأهمية الإستراتيجية للمنطقة الغنية بمواردها النفطية وثقافتها وتاريخها الفريدين جعلت منها لاعبا استثنائيا في السياسة الدولية الحديثة. وقد تؤثر أي أحداث كبرى داخل المنطقة أو نابعة منها على المشهد السياسي العالمي.
وفى العقد الثاني من الألفية الجديدة أصاب الشرق الأوسط العالم بالصدمة، ففي 14 يناير 2011 اجبر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على التنحي بعد 23 عاما أمضاها في السلطة. وتبعه الرئيس المصري حسني مبارك الذي أزيح عن منصبه في 11 فبراير المنصرم بعد 30 عاما قضاها في سدة الحكم.
ومنذ أواخر فبراير أفضى الوضع في ليبيا إلى عمليات إجلاء جماعية للرعايا الأجانب، فيما تتواصل اشتباكات دموية بين القوات الحكومية ومجموعات المحتجين. وفى 15 مارس أعلن ملك البحرين حالة الطوارئ، فيما وصلت قوات امن من المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى إلى البحرين لحفظ النظام. وفى 19 مارس قامت فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا بإجراءات عسكرية ضد ليبيا، من خلال شن غارات جوية على العاصمة طرابلس ومحيطها. وفى 25 مارس ، قال الرئيس اليمني علي عبدالله صالح انه على استعداد لتسليم السلطة سلميا إلى أياد أمينة.
وخلال الأيام المئة التي أعقبت حادث تونس وقعت أيضا اضطرابات سياسية واجتماعية، وان بدرجات متفاوتة، في كل من سوريا والكويت والأردن والمغرب والجزائر وعمان والمملكة العربية السعودية.
وفيما تتباين الأسباب من دولة إلى أخرى، يقول محللون إن الدعوات المطالبة بتحسين مستوى المعيشة كانت المحرك الأقوى للاضطرابات في تونس ومصر، أما في البحرين فوقعت نزاعات دينية، وفى ليبيا واليمن أعطت العداوات القبلية طويلة الأمد زخما للاضطرابات. ومن الواضح أن التدخلات الخارجية، سواء كانت مباشرة أم غير مباشرة، قد زادت من تعقيد الوضع في الشرق الأوسط وأضافت المزيد من عدم اليقين بشأن نتائج الفوضى الراهنة. ومهما كانت الأسباب وراء تلك الاضطرابات فإنها أزهقت الكثير من أرواح المدنيين في تلك البلدان.
وبحسب السلطات الليبية، فإن ما لا يقل عن 114 مدنيا قد قضوا حتى يوم السبت في الغارات الجوية التي تشنها قوات التحالف بقيادة الغرب، فيما أصيب مئات آخرون.
وخلال الاضطرابات أيضا لقي 110 أشخاص مصرعهم في تونس و 365 في مصر ونحو مئة في اليمن إلى الآن. بعد وقت ليس بطويل من أحداث تونس، حط ما يزيد على 15 ألف لاجئ رحالهم في جزيرة لامبيدوزا الايطالية أقصى نقطة واقعة جنوبي ايطاليا، والتي تبعد نحو 110 كيلومترات من تونس. وبالإضافة إلى إجلاء آلاف الرعايا الأجانب، فر ما يربو على 330 ألف ليبي من بلدهم منذ اندلاع الاضطرابات في ليبيا. وتوافد نحو مليون لاجئ إلى الدول الأوروبية المجاورة مع تواصل الاحتجاجات في الشرق الأوسط، بحسب تقديرات وكالة ايطالية.
وعلى الحدود بين ليبيا وتونس تدفق اللاجئون زمرا زمرا، بعضهم يحمل أطفالا رضع بين ذراعيه والبعض يحمل حقائب على كتفه وبعضهم جثا يقبل الأرض بشكل هستيري بمجرد عبوره الحدود. وألقت الاضطرابات في الشرق الأوسط بظلالها أيضا على بعض جوانب الحياة المعيشية مثل ارتفاع أسعار النفط في كل من الدول المتقدمة والنامية، وتركت صورة أكثر ضبابية بشأن التعافي الاقتصادي العالمي. ولطالما كانت الاضطرابات الكبرى بالشرق الأوسط مصدرا لارتفاع أسعار النفط، والتي بدورها أثارت ثلاثا من خمس مراحل ركود عالمية، على حد ما ذكر نوريل روبيني أستاذ الاقتصاد بكلية ستيرين للأعمال بجامعة نيويورك.