يعد تشكيل اللجان، أحياناً، أكثر الطرق عدلاً لتحديد السياسة، ونادراً ما تكون الأكثر كفاءة. وكنظام لشنّ الحروب، فإن أوجه القصور فيها واضحة. لا تتم تهدئة القلق العام حول مخاطر التدخل في ليبيا، من خلال الانطباع بأنه لا أحد يبدو أنه يتولى المسؤولية السياسية النهائية لهذه المهمة.
لقد انطلقت قوة الدفع لاتخاذ هذا الإجراء من فرنسا وبريطانيا، وظهرت الولايات المتحدة، بعد بعض التأخير، كمدافع رئيسي عن العملية، وجاء معظم العتاد العسكري المستخدم في العملية من أعضاء حلف «ناتو».
كان الإلحاح التكتيكي لوقف هجوم الرئيس الليبي معمر القذافي على بنغازي، يعني أنه كان من الضروري إطلاق الصواريخ أولاً، ثم طرح الأسئلة التنظيمية في وقت لاحق، لكن هذه الأسئلة سرعان ما أعادت فرض نفسها. وبالسرعة نفسها تقريباً، أدت إلى نشوب الخلاف بين المتحالفين ضد القذافي. لا تريد الولايات المتحدة أن تضطلع بالدور القيادي، حيث تفضل أن يتولى أعضاء «ناتو» في أوروبا إدارة صراع يدور قرب سواحلهم المطلة على البحر المتوسط. تعثرت تلك الفكرة في غمار الخلاف بين فرنسا وتركيا، وكلتاهما عضو في «ناتو»، ولكن بوجهات نظر مختلفة إزاء ما يجب أن يحدث في ليبيا، حيث تريد باريس أقصى درجة من الحرية لتفسير تفويض الأمم المتحدة بالتدخل. أما أنقرة فتعتبر أكثر حذراً وقلقاً من التصعيد المتزايد لتدخل «ناتو» في شمال إفريقيا. ويبدو أن رؤية بريطانيا تم عرضها أساساً بهمسات واجمة من خيبة الأمل من أن الأميركيين ليسوا أكثر انخراطاً في العملية العسكرية.
في الوقت الراهن، لا ينبغي تضخيم أهمية هذه الخلافات، لكنها تكشف عن خطوط الصدع التي ستصبح أكثر خطورة إذا استمرت العملية العسكرية في ليبيا. ومما له دلالته أيضاً، مدى الخلل الذي يمكن أن يصيب الحوار الاستراتيجي والعسكري بين الأوروبيين، عندما لا تقبض الولايات المتحدة على أيديهم. هناك أسباب وجيهة لرغبة واشنطن في أن تكون شريكاً شبه منفصل، إذ ترتبط القوات الأميركية بالتزامات ثقيلة في أفغانستان، والرأي العام في الولايات المتحدة غير مستعد بالمرة للقيام بحملة ضد القذافي، ولدى واشنطن سبب محدود للتحرك من أجل تغيير النظام في طرابلس. ربما اتخذ الرئيس أوباما قراراً، بحسب ما يبدو، بأن هذا التمرد في شمال إفريقيا لم يكن معركته الشخصية. ولم يقتنع إلا في مرحلة متأخرة، بأنه قضية تستحق القتال من أجلها. وقد أدى هذا التضارب إلى اتهامات للبيت الأبيض بالتذبذب الفادح. وكانت وجهة النظر البديلة، هي أن الرئيس أوباما، لأسباب واضحة، رجّح مصالح بلاده بعناية، قبل الالتزام بتدخل عسكري آخر محفوف بالمخاطر، في بلد عربي قابل للانفجار. وبعد أن وافق على المشاركة، ربما ظن أن إسدال لافتة أميركية على العملية، من شأنه أن يجعل من الصعب كسب التأييد في العالم العربي، وبالتالي يعيق فرص النجاح. إن فكرة السياسة الخارجية والأمنية الجماعية، اعتبرت ضمن الطموح الذي ظل يراود عددا من الزعماء الأوروبيين في السنوات الأخيرة، وكانت المبرر الرئيسي وراء معاهدة لشبونة المكروهة بشدة من جانب أعضاء الاتحاد الأوروبي، والتي دخلت حيز التنفيذ العام الماضي. لكن بدت تلك الطموحات ساذجة على نحو مؤلم، في الوقت الذي مزق حريق اجتماعي وسياسي هائل، أوصال شمال إفريقيا والشرق الأوسط. تبدو الولايات المتحدة ضجرة من ممارسة دور شرطي العالم، وسواء كان ذلك خطأ أم صوابا، فهي تشعر بالحاجة الشديدة للامتنان عندما تمارس هذا الدور. سوف يتولى «ناتو» قيادة العمليات في ليبيا، وبالتالي فإن الولايات المتحدة ستستمر في الاضطلاع بجزء كبير في العمليات العسكرية. لكن الدرس واضح، وهو أنه مهما يحدث في شمال إفريقيا بعد ذلك، فهي مشكلة أوروبا.