ينصب الاهتمام في الوقت الراهن بشكل يمكن فهمه، على جوانب أخرى في منطقة الشرق الأوسط. لكن الانفجار الذي وقع مؤخراً، بالقرب من محطة الحافلات المركزية في القدس، بمثابة تنبيه إلى أن الصراع في المنطقة الأكثر امتداداً من الناحية الزمنية واستعصاء على الحل، بات أكثر بعداّ عن الحل من أي وقت مضى.
لقد أذهل هذا الحادث، الذي يعد الأول من نوعه في المدينة منذ سبع سنوات، الإسرائيليين. ووسط تصاعد القتال في جميع أنحاء قطاع غزة، حيث قامت الطائرات الإسرائيلية بتنفيذ هجمات بالقرب من مدينة غزة، ردا على الصواريخ التي أطلقها مسلحون فلسطينيون على جنوب إسرائيل.
وحتى قبل اندلاع هذا العنف الأخير، كانت عملية السلام قد وصلت إلى طريق مسدود. وبعيدا عن دفع حكومة بنيامين نتنياهو لتكثيف البحث عن تسوية مع الفلسطينيين، أدت الاضطرابات في مصر إلى جعل هذه الحكومة أشد تصلباً وتعنتاً. بالتأكيد سوف تعزز حالة الاضطرابات الداخلية المتزايدة في سوريا هذه الغرائز، في الوقت الذي سوف يوفر الهجوم على الحافلة دعماً جديداً لحجة نتنياهو، بأن المحادثات الجادة لا يمكن أن تتم قبل وضع حد للعنف من قبل المتطرفين الفلسطينيين.
تركز إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على الأزمات التي تجتاح المنطقة العربية، فيما تتجه احتمالات إحراز التقدم نحو التوصل إلى اتفاق إسرائيلي فلسطيني، من الأبعد إلى اللاوجود. سوف يستجيب البعض بضجر، قائلين ماذا إذن؟ ربما خاض الجانبان الصراع لأكثر من ستة عقود من الزمن، بل إنه قد مضى حتى الآن 40 عاماً تقريباً منذ نشوب آخر حرب بين العرب وإسرائيل، حيث وقعت إسرائيل معاهدات سلام رسمية، وإن كانت غير مرحب بها، مع مصر والأردن.
هل يعد إبرام اتفاق سلام مع الفلسطينيين حقا مهماً، مقارنة بالثورة الاجتماعية والسياسية التي قد تغير العالم العربي كله؟ يمكن أن تكون الحقيقة عكس ذلك. إذا جاءت إلى السلطة حكومات أكثر ديمقراطية وأكثر تمثيلا للرأي العام العربي، فسوف يزيد الضغط بالتأكيد من أجل تحقيق سلام فلسطيني عادل.
وخلافا لفترة أوسلو، فإننا اليوم في وضع مختلف، فبدلا من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي لعب بورقتي المقاومة والدبلوماسية في الوقت نفسه، فإن لدينا سلطة فلسطينية قوية في الضفة الغربية تستثمر في بناء الأمة وتعد الأيام حتى سبتمبر المقبل، عندما تعلن الأمم المتحدة قبول الفلسطينيين باعتبار أن لهم دولة فلسطينية ذات سيادة. وآخر شيء يحتاجونه هو مثل هذا الهجوم، الأمر الذي سيثير تساؤل العالم مرة أخرى حول ما إذا كان الفلسطينيون قادرين على تنسيق تحركاتهم.
أما غزة فهي مسألة مختلفة، وإذا حرمت من خيار إرسال انتحاريين إلى إسرائيل، فإنها تقصف جنوب إسرائيل الآن بصواريخ القسام. مرة أخرى، فإننا هنا إزاء حالة مختلفة عن ذي قبل. وبإعلانها مسؤوليتها عن قطاع غزة، فقد نأت حركة حماس بنفسها عما يوصف بأنه سمة للإرهابي، أي المراوغة. لكن الناس في إسرائيل لم يخدعوا أنفسهم بأن العنف قد انتهى. إنه خفي عن الأنظار، يختبئ بين المدنيين، ويظهر تماماً في الوقت الذي لا يمكن توقع حدوثه. المفاجأة ليست في الهجوم بحد ذاته، بل في توقيته، لماذا الآن؟ من الخطأ إلقاء اللوم على الهجمات في عدم إحراز تقدم في عملية السلام، ويتمنى الجميع أن تنطلق المفاوضات التي منيت بالفشل، لكن المفارقة تكمن في أن العنف دائما ما يزدهر خلال انعقاد قمم السلام. ولعلنا لا ننسى عندما أطلق اسحق رابين وشيمون بيريز عملية السلام في أوسلو، عملت جماعات متطرفة بكل جهدها على عرقلتها.