يعتبر الاستقرار بمثابة السلعة الجديدة الأكثر رواجاً، فإذا لم تتمكن من تحقيقه، فلا يهم كثيرا أي الأشياء يمكنك تقديمها. ينطبق هذا المثال بشكل خاص على الطاقة، فالاضطرابات الحالية في العالم العربي، ألقت بروسيا على نحو مفاجئ في بؤرة ضوء إيجابية. فلم يمض زمن بعيد على الصخب الذي حدث بشأن قضية «ميخائيل خودوركوفسكي» التي أظهرت أن روسيا ليس فيها مجال للاستثمار. الآن، مع ذلك، لا ينظر إلى السلطة في روسيا ذات الطابع الرأسي بحسبانها مصدراً للشر، وإنما باعتبارها مصدراً للتوازن الذي يمكن الاعتماد عليه.
إن ارتفاع سعر النفط يملأ خزائن الكريملن التي نضب المال منها جراء الأزمة. فقد قامت شركة الطاقة الفرنسية العملاقة «توتال»، باستثمار أربعة مليارات دولار في مشروعات غاز في روسيا، حيث يشير رئيسها التنفيذي «كريستوف دي مارغري» إلى «البيئة الاستثمارية الأكثر أماناً» لروسيا. وتأييداً لهذا الانطباع، قال رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين: «إنني على ثقة بأن المصالح الحقيقية طويلة الأمد للاقتصاد الأوروبي، تكمن في مواردنا. لا شيء أهم من الاستقرار». إن تداعيات «الزلزال الشبابي» العربي تتردد توابعه خارج منطقة الشرق الأوسط. ففي أذربيجان الغنية بالنفط، والتي يحكمها بالفعل نجل دكتاتورها السابق الجنرال «حيدر علييف»، شهدت مؤخراً أول مسيرة احتجاجية على الفيسبوك، لم تسفر عن الكثير، لكنها أزعجت السلطات بقدر كافٍ للتسبب في موجة من الاعتقالات تجعل النظام يبدو ماكراً وخائفاً.
وأصيبت أوزبكستان، التي يديرها طاغية طاعن في السن لا وريث له، بحالة من العصبية أيضاً، وشن التلفزيون الأوزبكي الرسمي هجوماً على المتطرفين ومجموعات «الروك آند رول» الغربية التي وصفها بــ «الشيطانية». وفي الوقت نفسه، وفي دليل على الفساد وحالة القلق، أصبح الأوزبكيون ثاني أسرع الجنسيات تزايدا في شراء العقارات السكنية الفاخرة في لندن (بمتوسط قيمة عمليات بيع بلغ 3,3 ملايين دولار). يمكن تتبع مصير البلاد من خلال المعادل المحلي لدليل التلفزيون ومبيعات العقارات الفاخرة في لندن.
فإذا كانت روسيا قد استفادت من الاضطرابات في العالم العربي، فإن الصين أصيبت بحالة سيئة من التوتر مثل إسرائيل. وهناك أمران أصابا الصين أكثر من غيرها بالقلق، وهما أن النموذج الثوري المصري والتونسي قد يحتذي به الصينيون في منطقة التبت المضطربة، وسكان إقليم «شينغيانغ» الناطقون بالتركستانية في شمال غرب الصين. ويجري تشديد الإجراءات الأمنية في التبت، ويتم حظر مشاركة الأجانب في مسيرة التبت المقررة خلال الشهر الجاري، بمناسبة حلول الذكرى الثانية والخمسين ليوم الانتفاضة الوطنية، وذكرى الاضطرابات التي اندلعت عام 2008، كما يتم إخضاع المراسلين الأجانب مجدداً، لمراقبة مكثفة. لكن الصين ليست قلقة إزاء توتراتها الداخلية فحسب، ذلك أنها تعتمد على آسيا الوسطى في الحصول على جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة. إن التوقف في عملية إنتاج الطاقة، وبالقدر نفسه تعطل عمليات نقلها، يمكن أن يحلق الضرر بالاقتصاد الصيني، وبالتالي يهدد الرخاء الذي يعتبر المصدر الرئيسي لشرعية الحزب الشيوعي الصيني. لا تستورد الصين كميات كبيرة من الغاز الطبيعي من تركمانستان، لكنها لا بد أن تكون محطة ترانزيت يمر عبرها الغاز. وفي الآونة الأخيرة، اتجهت الصين إلى جارتها كازاخستان، من أجل الحصول على المزيد من احتياجاتها من الطاقة، على سبيل المثال 40٪ من اليورانيوم. وتقوم شركة البترول الوطنية الصينية بتطوير مكامن الغاز في غرب كازاخستان، بغرض التصدير مباشرة إلى الصين عبر خط أنابيب قيد الإنشاء. وتقدم كازاخستان كلا من الاستقرار والقرب، وهما مركب لا سبيل إلى منافسته. إن الاستقرار ربما أصبح السلعة الأكثر رواجاً، ولكن كما أوضحت الأحداث الأخيرة، فإنه سلعة لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث لها.