تتسم الحرب في ليبيا، كغيرها من الصراعات التي تورط الغرب فيها هذه الأيام، باختلال ميزان القوى بين أطرافها. فقد بدأت القوات الفرنسية والأميركية والبريطانية قصف الدفاعات الجوية للزعيم الليبي معمر القذافي، الذي يبدي مقاومة في القتال، ليس بالطائرات والصواريخ، ولكن بالدعاية. يدعي النظام في طرابلس أن هناك ‬48 مدنياً لقوا مصرعهم وأصيب ‬150، جراء الضربات الغربية الأولى. لم يتم التحقق من صحة هذه الأرقام، ومن المرجح أن يكون نظام القذافي مبالغاً بشأن أعداد القتلى. حدث شيء مماثل في حرب كوسوفو عام ‬1999، عندما اتهمت طائرات «ناتو»، التي تفرض منطقة حظر الطيران، بقتل عدد كبير من المدنيين الصرب خلال هذه العملية. وفي وقت لاحق، تمكنت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من التحقق من أن نحو ‬500 مدني قتلوا خلال قصف قوات «ناتو»، لكن السلطات الصربية، في ذلك الوقت، ادعت أن العدد أكبر من ذلك بكثير.

في نهاية المطاف، فشلت تلك التكتيكات من قبل النظام الصربي في ردع حلف «ناتو» في البلقان، لكن مثل هذا النهج قد يثبت أنه أكثر فعالية في شمال إفريقيا. يمكن أن تحدث التقارير بشأن سقوط ضحايا من المدنيين (سواء تم التحقق منها أم لا) أنها أكثر ضرراً في العالم العربي مما كانت عليه في كوسوفو، وذلك نظرا لتاريخ التدخل الغربي في المنطقة. حتى الآن، تم عزل القذافي وعائلته عن باقي العالم العربي، حيث لا يحظى الدكتاتور الليبي بأي شعبية. لكن ينبغي ألا يقلل الغرب من مسألة إلى أي مدى يمكن أن تكون مثل هذه الدعاية فعالة، لا سيما إذا تم التحقق من عدد القتلى المدنيين خلال الأيام المقبلة.

كانت الانتقادات الحادة التي وجهتها الجامعة العربية ضد الغارات الجوية، بمثابة صفعة خطيرة للتحالف العسكري الغربي. فدعم الجامعة لفرض منطقة حظر للطيران، كان مهماً في الحصول على قرار مجلس الأمن رقم ‬1973، وهذا التغيير الواضح في جوهر الأمور يقوض لا محالة شرعية التدخل. وتعتبر التصريحات الانتقادية من جانب روسيا والصين والاتحاد الإفريقي، بمثابة نكسة لسبب مماثل. يضاف إلى أهداف الانتكاسة في حرب الدعاية، بطء تنفيذ المهمة من جانب قوات التحالف. وتستعد الطائرات الحربية الغربية لمهاجمة القوات البرية للقذافي، في حال تقدمها للهجوم على قواعد المعارضة (وبالفعل يبدو أن هذا قد بدأ). ولكن هل سيهاجمون القوات الموالية للقذافي إذا نقلت المعارضة المعركة إلى طرابلس؟ إن ذلك من شأنه أن يجعل الأمور أكثر تعقيداً، وينذر بوقوع أخطاء كارثية خطيرة. وقد يكون التمييز بين طرفي الصراع بالغ الصعوبة بالنسبة للطيارين من على ارتفاع كبير، ووجود القوات الغربية الخاصة في ليبيا يجعل تحديد الأهداف أكثر سهولة، لكن قرار الأمم المتحدة يحظر أي تدخل عسكري بري.

إذا كانت هذه العملية من المقرر لها أن تكون محدودة للغاية، فهل التحالف الغربي مستعد لتحمل بقاء القذافي في السلطة؟ وهل هم على استعداد لرؤية ليبيا منقسمة بين الموالين للقذافي والمعارضين له؟ اعترف الأدميرال «مايك مولين»، رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي، بأن مثل هذا المأزق هو «احتمال» وارد. لكنه لم يقدم أي تفاصيل حول كيفية استجابة التحالف لمثل هذه النتيجة.

يصيغ الغرب السياسات بما يتناسب مع كل حالة، وهذا نهج مفهوم، نظراً للحساسية السياسية للتدخل الإنساني، لكنه ينطوي على مخاطر كبيرة. يجب البحث وراء الكواليس بشأن المرحلة النهائية لهذه العملية. ومن دون هذا الفكر، فإن العالم الخارجي يخاطر بجعل الوضع في ليبيا يمضي إلى الأسوأ.