مضت ثلاثة أشهر منذ قيام المواطن التونسي محمد البوعزيزي بإضرام النيران في نفسه حتى الموت، بعد شعوره بالإذلال على يد مسؤولة البلدية التي صادرت العربة التي كان يبيع الخضار عليها. وقد أشعلت وفاته نيران الانتفاضة التي اندلعت في تونس، حيث سرت هذه النيران إلى باقي الأنظمة الاستبدادية العربية، وقدمت كل ثورة مدخلاً إلى إشعال الثورة التالية؛ من تونس إلى مصر وليبيا واليمن، وهناك بوادر انتقال من هذا النوع في الجزائر والمغرب. ولم يفلت من هذا التأثير سوى قلة من القادة في المنطقة.
عندما حوصر الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي من قبل قوى المعارضة التي احتشدت حول طرابلس، بدا المد البشري للثورة عصياً على الإيقاف. ولكن المستبدين يعاودون الرد. وبعد توجيه الدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات المقاتلة ضد شعبه، تقدمت قوات القذافي لتصل إلى مسافة 100 ميل من بنغازي. ببطء لكن بثبات، تخسر الولايات المتحدة الصفقة، ويتهاوى موطئ قدميها في الشرق الأوسط. الصدمة التي أصيبت بها الولايات المتحدة نتيجة سقوط الرئيس المصري السابق حسني مبارك، الذي كان حليفاً قوياً لها، دفع واشنطن إلى تحويل موقفها من الحث على الاستقرار، إلى الإشادة بمن كانوا قد تسببوا في زعزعته. فالمراوحة والتردد أغضبا كلا الجانبين. لم تسارع الولايات المتحدة للدفاع عن الثورة، لكنها لم تقم بحماية حلفائها السابقين. لذلك فقد تعاملت دول عربية أخرى مع الأمور بطريقتها الخاصة. ولم يتلق وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، أي مؤشر على تحركات عربية عملية على الأرض. ربما تصور أحد أنه كان سيعلم ذلك، لأن الأسطول الأميركي الخامس منتشر في المنطقة، لكن واشنطن أصبحت غير مدركة للحسابات الإقليمية.
كان وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو قد كتب في صحيفة «غارديان»، حول ما يجري حالياً واصفاً إياه بأنه رد فعل متأخر على الثورة في أوروبا الشرقية، في أواخر ثمانينات القرن الماضي. التأخير جاء بسبب الاعتقادات بأن الديمقراطية والأمن في الشرق الأوسط، هما قطبان متضادان. فقد تم التودد إلى الطغاة وإعطاؤهم رشاوى كبيرة، وحدث خلط بين التيار الإسلامي المحافظ ومنافسه الأكثر دموية في تنظيم القاعدة. كان أوغلو على صواب عندما قال إنه في حين يجب أن تكون أي ثورة بقيادة الشعب في كل بلد، فإنه يجب أن تكون هناك استجابة إقليمية. يعتبر هذا التصريح ضمنياً بمثابة مداخلة هامة في هذا النقاش. ويواجه الثوار المسلحون في ليبيا اختياراً لا يحسدون عليه بين إمكانية قبول الهزيمة على يد طاغية، والتحول إلى القوى الاستعمارية السابقة طلباً للمساعدة.
في اللحظة التي تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً، حتى تحت راية الأمم المتحدة، يحصل القذافي على ما يريده، حيث يظهر بموقف المدافع ضد المعتدي الأجنبي. هناك إجماع بين الثوار في ليبيا على معارضتهم للتدخل العسكري البري، وعندما قيل لهم إن منطقة حظر الطيران ستشمل حملة قصف مطولة أولا، نجدهم يقولون: «اعترفوا بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي، باعتباره السلطة الشرعية في البلاد، كما فعلت فرنسا، ومن ثم يمكن شراء الأسلحة في إطار قانوني». لكن الاعتراف مسألة تتعلق بالسيادة، والمجلس أبعد ما يكون عن ضمان ذلك. وتبدو حالة الجمود العسكري أكثر احتمالاً. فإذا كانت مسألة إنقاذ الأرواح هي الشغل الشاغل بالنسبة لتركيا، فإن عرضها للتفاوض على وقف إطلاق النار في ليبيا يصبح أكثر جاذبية يوما بعد يوم.
الجامعة العربية منقسمة، وينطوي التدخل العسكري الغربي على مخاطرة اختطاف ثورة شعبية. فالمسألة تتعلق بصياغة ما حرمت منه الشعوب العربية، من قبل الدكتاتوريين والمستعمرين السابقين على حد سواء، وهو الهوية القومية العربية. ولكي تنجح الشعوب العربية، فلا بد أن تقوم بذلك بنفسها.