الديمقراطية لا تحب الحرب، لكن في بعض الأحيان تذهب الحرب للدفاع عن الديمقراطية. فــ«القوة الناعمة»، هذا المفهوم الملائكي الذي فرض نفسه على جورج بوش في إستراتيجيته في حربه ضد العراق، كان عبارة عن ضمانة مثالية لاستخدام القوة حينها، ولو أن الملايين وقفوا ضده. ولكن بوش لم يعر اهتماماً إلى ديمقراطية الجمهور، مبرراً ذلك بأنه مضطر لاستخدام القوة. «القوة الناعمة» لم تثبت فاعليتها مع الدكتاتور الليبي معمر القذافي، فقد استعاد الدكتاتور قوته العسكرية، ومارس اللعب على اللامبالاة والتخاذل من الغرب.

الربيع العربي له كل المبررات في السخرية من العالم الحر وحتى احتقاره، لأنه عجز منذ بدء الثورة الليبية عن أن يمد يد العون لأولئك الثوار الذين خرجوا من أعماق المجتمع الليبي لكي يعلنوا الثورة، شاهرين علم النظام الملكي القديم، ليعبروا به عن المحرومين والدعوة إلى الحرية. قبل إعلان قرار مجلس الأمن باستخدام القوة، كان القذافي على وشك الفوز، وخاصة في تقدمه نحو معقل الثورة في بنغازي، وهذا الانتصار العسكري كان من شأنه أن يضع حداً للآمال التي تراود الشارع العربي. حدث كثيرا في التاريخ المعاصر أن الديمقراطيات الضعيفة تركت المجال مفتوحا أمام الدكتاتوريات، ولم يفت الأوان لتكذيب هذه القاعدة، على حد قول وزير الخارجية الفرنسي الآن جوبيه، الذي كشف أن «العديد من الدول العربية» ستكون مستعدة لـ»المشاركة الفعالة» في عملية عسكرية في ليبيا. وأضاف: «إن التهديد باستخدام القوة يمكن أن يوقف القذافي». وقد استطاع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن ينقذ شرف أوروبا في كونه أول رئيس دولة اعترف بالمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، ومقره في بنغازي. وانتصار القذافي يشكل أكبر إذلال لأوروبا.

كان الرأي السائد قبل أيام، أنه لا شيء جاد يمكن توقعه من الاتحاد الأوروبي ولا من الأمم المتحدة ولا من باراك أوباما، لأنهم تخلوا عن مبدأ التحفيز على الحريات الديمقراطية التي يطالب بها المسلمون. لم إذا لم تأخذ فرنسا وبريطانيا زمام المبادرة بقصف عدد من النقاط الإستراتجية في ليبيا، من أجل كسر زخم الدكتاتور ودعم المقاومة الحقيقية؟

الخشية كل الخشية أن يتكرر سيناريو حرب العراق، من بلد هدمت كل البني التحتية فيه، وهناك الآلاف من الليبيين الذين قد يضطرون إلى الفرار من الدكتاتورية، بعد اقدام الغرب والولايات المتحدة على قصف المواقع الليبية. وهذا بحد ذاته، وإن كان سيقلع كرسي الدكتاتورية، إلا أنه سيسبب إشكالات جديدة على الواقع الليبي، خاصة أن المعارضة الليبية لا تحبذ التدخل العسكري الأجنبي، على عكس المعارضة العراقية التي تحول قادتها إلى جواسيس للقوات الأميركية. وكانت النتيجة أن العراق فقد كل شيء، وخاصة استقلاله عن الإدارة الأميركية، التي سارعت إلى زرع أكثر من مائة قاعدة عسكرية في طول البلاد وعرضها.

والمشكلة الآتية هي: هل أن أوروبا مستعدة لأن تستقبل مئات آلاف اللاجئين الليبيين المحتملين، وتتحمل هذا العبء الكبير الذي لا يمكن تحمله في ظروفها الاقتصادية المعروفة؟ ولكن، هناك استعداد لدى المعارضة الليبية لكل احتمالات التدخل، لأنها لا يمكن أن تتحمل هذا القصف الوحشي الذي تقوده كتائب القذافي وجيشه على المدن التي يحكم فيها الثوار. وهذه نقطة تحول قد تغيّر من موازين القوى العسكرية. وكان لا بد من تقبل المعارضة لهذا التدخل العسكري الذي توجه مجلس الأمن بغطاء شرعي، يعطي الضوء الأخضر لدك مواقع القذافي، وخاصة منطقة باب العزيزية التي يتمترس فيها مع أولاده وقادته ومستشاريه ووزرائه.

الأيام المقبلة ستكشف عن عمق المأساة التي حفرها القذافي بيديه في الأرض الليبية.