وسط المشاهد المروعة التي تبثها شاشات التلفزيون عن كارثة شمال اليابان، يبدو من البشاعة التعامل مع جانب واحد فقط من هذه الكارثة أو استخلاص أي استنتاجات، حيث حلت الكارثة منذ وقت قصير للغاية وكان الدمار شاملاً. غير أن الكارثة طرحت بالفعل وبشكل من الإلحاح الجديد سؤالاً بدا أنه يتراجع من دائرة الاهتمامات على الصعيد العالمي في السنوات الأخيرة، وهو: إلى أي مدى تصل درجة الأمان، حقا، في الطاقة النووية؟
لقد كانت اليابان، نظرا لتاريخها، محقة كل الحق في أن تكون من بين البلدان الأكثر حذرا في تطوير وتسخير الطاقة النووية. ودعت جغرافيتها إلى مضاعفة الاحتياطات التي يمكن اتخاذها في أي مكان آخر، أو زيادتها إلى ثلاثة أضعاف. وحتى الأسبوع الماضي، بدت التدابير الأمنية أكثر من كافية. وكان لدى اليابان سجل في السلامة، وسمعة من حيث دمج السلامة في التصميم، وهي المسألة التي كانت لا يعلى عليها. كان ينظر إلى الانضباط الوطني الشهير والمرونة التي تحلى بها اليابانيون باعتبارهما رصيداً مضافاً، في حال حدوث أي شيء غير مرغوب فيه.
حتى الآن، كان من الممكن ذكر تجربة اليابان من أجل دحض المخاوف بشأن سلامة المفاعلات النووية. فقد كان هناك دائما شيء خاص بشأن الحوادث النووية السابقة التي من شأنه، كما كان مفترضاً، ألا يجعلها تتكرر في اليابان. فقد كان أسوأ حادث نووي كارثي في أميركا، في منطقة «ثري مايل ايلاند»، نتيجة لعطل ميكانيكي تسبب في ارتفاع حرارة قلب المفاعل.
وتبع ذلك إصدار ضوابط جديدة وتغييرات في التصميم. سوف تحل الذكرى الخامسة والعشرون على اكثر الحوادث تدميراً في تاريخ المفاعلات النووية في تشرنوبل في أوكرانيا في غضون شهر، والذي عكس أوجه القصور في التصميم، بل والإهمال في البنية التحتية وعدم الانضباط العام الذي شهدته السنوات الأخيرة من الاتحاد السوفييتي السابق. وبالنسبة للطاقة النووية في اليابان، كما كان مقبولاً على نطاق واسع، فقد اتسمت بمستوى مختلف تماما من الموثوقية.
يجب فتح الباب أمام النقاش بالنسبة لجميع الافتراضات حول سلامة الطاقة النووية. ربما سيتضح أن الجهات التنظيمية المعنية في اليابان كان يتعين عليها بذل المزيد من أجل ضمان سلامة المفاعلات النووية في فوكوشيما. يسلط البعض بالفعل الضوء على انتقادات كانت قد ترددت من قبل في اليابان في هذا الصدد، تزعم بوجود مبادلات بين السلامة والتكلفة.
من الممكن أيضا أن تدابير السلامة واسعة النطاق كان من شأنها تقليص فرصة تسرب الاشعاع. وبدا المسؤولون، أخيراً، على ثقة من أن انهيار قلبي مفاعلين نويين تم احتواؤه، إن لم تكن قد تمت الحيلولة دون حدوثه. حتى أفضل سيناريو، رغم ذلك، لن يكفي لتبديد الشكوك حول الطاقة النووية التي أزعجت الكثيرين لفترة طويلة. ولو أننا سلمنا بأن الكارثة كانت طبيعية تفوق نطاق أي شيء يمكن تصوره، حتى بالنسبة للجيولوجيا الهشة لليابان، فلا تزال التداعيات وخيمة.
فإذا لم يستطع اليابانيون، مع كل هذه الموانع المفهومة إزاء أي شيء نووي وكل تقنيتهم الرائدة عالمياً، بناء المفاعلات غير المعرضة للكوارث، فمن يستطيع ذلك؟ لقد ترددت أصداء هذا السؤال الكبير على الفور بشكل محدود داخل بريطانيا.
وفي ظل التزام الائتلاف الحكومي في بريطانيا إزاء برنامج جديد للطاقة النووية، وهي سياسة وقع عليها على مضض الديمقراطيون الأحرار المناهضون للأسلحة النووية، أعلن وزير الطاقة البريطاني «كريس هون»، أنه كلّف كبير مفتشي الطاقة النووية في بريطانيا بإعداد تقرير عن «تداعيات الموقف في اليابان والدروس التي يمكن استخلاصها».