سوف يتكبد الاقتصاد الأميركي عجزاً بقيمة ‬1,65 تريليون دولار خلال العام الحالي، ومع ذلك لا تزال واشنطن مستمرة في دعم حكومات أجنبية، وقد استهدف الجمهوريون في مجلس النواب المساعدات الخارجية. وسوف تفقد وزارة الخارجية الأميركية هذا العام ‬16٪ من ميزانيتها، وسوف تنخفض المساعدات الإنسانية بنسبة ‬41٪. تحذر وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من حدوث كارثة، تتمثل في أن «تخفيضات بهذا الحجم سوف تكون مدمرة للأمن القومي الأميركي، ولن تمكننا من التعامل مع الكوارث غير المتوقعة، وسوف تضر زعامتنا في جميع أنحاء العالم». علاوة على ذلك، فإن التخفيضات المقترحة سوف تكون «ضارة بأمن أميركا». بل إن بعض المحافظين يؤيدون موقف كلينتون في هذه المسألة. فعلى سبيل المثال، اقتبست «جينيفر روبين» في مقالة نشرت على مدونة لصحيفة واشنطن بوست، مصطلحاً للسيناتور الأميركي «بول راند»، وهو جمهوري من كنتاكي، عن «الانعزالية الجديدة» بشأن اقتراح لخفض ما يرقى إلى مستوى إعانات الرفاه الدولي.

ورغم ادعاءات كلينتون المبالغ فيها، فليس هناك دليل يذكر على أن المساعدات الخارجية تخدم مصالح الولايات المتحدة. فقد قدمت الولايات المتحدة نحو ‬30 مليار دولار لمصر على مدى العقود الثلاثة الماضية، ولكنها ظلت ضعيفة وغير ديمقراطية. في الواقع، فإن المعونة الأميركية التي قدمت إلى نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، ساعدت على تحويل مصر إلى بركان شعبي. كما كانت باكستان الطفل المدلل للولايات المتحدة، وظلت تؤدي أداء كارثياً على مدى عقود. ويتسم الهدر وعدم الكفاءة والفساد المحيط بالمشاريع الإنسانية في أفغانستان والعراق، بالوصول إلى مستوى أسطوري. فماذا عن الـ‬27 مليار دولار مما يسمى بالمساعدة الإنمائية المطلوبة في العام المقبل؟ لم يكن لهذه النفقات أي تأثير ملموس على النمو الاقتصادي في العالم الثالث. صحيح أن بعض المشروعات في بعض البلدان قدمت بعض الفوائد، ولكن لا ارتباط بين المعونة والنمو، وكثيراً ما عرقلت التحويلات المالية السخية للطغاة الفاسدين، الإصلاحات الضرورية. الآن يدعو المدافعون عن المعونة إلى القيام بما هو أفضل. فقد أنشأ الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، هيئة تحدي الألفية لمكافأة الحكومات التي تتبع سياسات جيدة. ومع ذلك، كما ذكرت صحيفة واشنطن تايمز في أغسطس الماضي، فإن هذه الوكالة «تعطي مليارات الدولارات لدول وجّهت إليها وزارة الخارجية تهماً بالفساد الحكومي». كذلك شدد البنك الدولي على تبني حوكمة أفضل.

ومع ذلك، حسبما كتب «توم بورتيوس» مدير منظمة هيومان رايتس ووتش في لندن: «تم تسييس برامج تقدر بمليارات الدولارات من تمويلات البنك الدولي وجهات أخرى، والتلاعب بها من قبل الحكومة الإثيوبية، ويتم استخدامها كأداة قوية للسيطرة السياسية والقمع». حوافز المعونات جميعها خاطئة. لقد أوجدت المعونة الدولية تبعية على المدى الطويل وأحبطت الإصلاح، بل إن المساعدات الإنسانية لها سجل مخيب للآمال. وبعد ستة أشهر من الزلزال الذي ضرب هايتي، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنه «يبدو أن عملية إعادة الإعمار توقفت». وتتسم الشحنات الأميركية «الغذاء من أجل السلام»، المستخدمة للتخلص من الفوائض المحلية للمزارعين، بأنها سيئة السمعة في ما يتعلق بالقضاء على المزارعين المحليين في الدول المتلقية لهذه الشحنات، وبالتالي تقويض الإنتاج المحلي. وتتواصل هذه المشكلة في هايتي. والأسوأ من ذلك يحدث في الصومال، فقد أوردت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية العام الماضي، تقريرا تقول فيه: «يتم تحويل نصف المساعدات الغذائية الموجهة إلى الصومال، من المحتاجين إلى شبكة من المقاولين الفاسدين والمسلحين المتطرفين وطاقم الأمم المتحدة المحليين».