واشنطن على حق، فأي منطقة لحظر الطيران فوق ليبيا يجب أن تتم في إطار منسق دولياً وبتفويض من الأمم المتحدة. أن يكون هناك اتفاق متعدد الأطراف بشأن السياسة الخارجية في أوقات الأزمات، هو عرف يتم الالتزام به بمزيد من الدقة بشكل أكبر في الولايات المتحدة، مقارنة بالوضع في بريطانيا. لكن الوحشية التي أبداها «إد ميليباند» في هجومه على رئيس الوزراء البريطاني «ديفيد كاميرون» خلال الاستجوابات التي وجهت إلى رئيس الوزراء مؤخراً، فضحت الضعف المتزايد للحكومة البريطانية بشأن ليبيا، في الوقت الذي تنتشر عمليات القتال هناك. فالدراما التي تتكشف في شمال إفريقيا، لنقل ذلك بعبارة ملطفة، لم تظهر الائتلاف الحكومي البريطاني في أفضل حالاته.

ولم يكن بمقدور كاميرون، رغم الاحتقار الحاد بشأن كيف أنه لم يكن الشخص الذي «يطعن وزير خارجية»، إسكات الشائعات حول أداء وزير خارجيته «وليام هيغ»، الذي تعرض لمعاناته الخاصة خلال الحديث في مجلس العموم البريطاني، عندما واجه انتقادات كلامية انهالت عليه بشأن المهمة الفاشلة، على ما يبدو، للقوات الخاصة إلى بنغازي. أخيراً، اعترف كاميرون «بالمسؤولية الكاملة» عن العملية، «بشأن كل شيء تقوم به حكومتي»، لكنه اضطر إلى إعلان دعمه لـ«هيغ»، الذي وصفه بأنه «وزير خارجية ممتاز»!

لم يضف أي من هذا ثقة كبيرة، سواء في الوحدة أو، على حد تعبير «ميليباند»، كفاءة الحكومة في مواجهة أول تحدياتها الخطيرة في ميدان السياسة الخارجية. ربما يحمل ذلك قدراً أقل أهمية في حال أظهرت الأحداث في ليبيا أي مؤشر على وجود حسم مبكر. بدلاً من ذلك، يبدو أن البلاد تندفع نحو حرب أهلية شاملة، ما يشكل معضلات أكثر تعقيداً للعالم الخارجي كل ساعة تقريباً.

ولم تكن مسألة صياغة رد فعل مقنع إزاء التطورات في ليبيا، أو عبر المنطقة عموماً، لتتم ببساطة. فالعلاقات الخاصة التي كانت تربط الحكومة البريطانية بحكومة القذافي والزعماء غير الديمقراطيين الآخرين، هي التي تعقد الأمور، رغم أن هذه العلاقات تساعد في هذا المجال، وإنما جوهر الأمر أن تلك الأحداث، في تونس ومصر، حيث جاء التغيير بشكل سلمي نسبياً، في حالة تغير مستمر، ولا يمكن توقع النتائج على المدى القصير. فالمعارضة في ليبيا منقسمة، والهجوم المضاد من قبل قوات القذافي يثير الشك في ما إذا كانت بنغازي يمكن أن تصمد.

ومع ذلك، فقد بدا وزير الخارجية البريطاني غير بارع على نحو خاص. ومع وجوده في موقع المسؤولية، في غياب كل من رئيس الوزراء ونائبه، بدا وزير الخارجية محجماً عن الاعتراف بنطاق حالة الطوارئ، وكان أبطأ بكثير من نظرائه الأجانب في السماح بإجلاء الرعايا البريطانيين عن ليبيا.

يتعلق السؤال الآن بمدى الرغبة والقابلية للتطبيق، لمسألة فرض منطقة حظر للطيران. يشير طرح هذه المسألة مرة أخرى على جدول الأعمال، بعد دعوة كاميرون المبكرة لهذا الإجراء، إلى أنه ربما يكون قد لقي تشجيعاً من قبل الولايات المتحدة، لطرح هذه الفكرة. لكن واشنطن على حق في ما يتعلق بالإصرار على أن أي إجراء من هذا القبيل، لا بد من تنسيقه دولياً وبتفويض من الأمم المتحدة. وكما حذر وزير الدفاع الأميركي «روبرت غيتس»، فإن هذه الخطوة، التي تبدو بمثابة حد أدنى، ستكون بمثابة إعلان حرب. لو كثف القذافي من انقضاضاته على شعبه، سيكون من الصعب الوقوف موقف المتفرج. لكن مبدأ «مسؤولية الحماية» المعترف به دوليا، يجب أن يوضع في مقابل مخاطر التدخل في الحرب الأهلية لبلد آخر. إنها مسألة لا يمكن التعامل معها باستخفاف.