يبدو أن الجميع أصبحوا خبراء في شؤون الشرق الأوسط في الوقت الحاضر. جميع الأطياف من علماء السياسة والمدونين والمعارضة المتطرفة ووسائل الإعلام، يبدون تعليقاتهم ويسعون لعقد المقارنات، ويبدون الإعجاب بروح النضال التي يبديها العرب، ويدينون الأنظمة الفاسدة. وبالتأكيد روسيا ليست استثناء، فالإغراء شديد جداً، والكثيرون في النخبة الحاكمة يتوقون إلى بدء مطاردة جديدة ضد ثوار الثورة البرتقالية. في الوقت نفسه، فإن غالبية المعارضة في روسيا تستخدم العالم العربي كنقطة مرجعية، لتبرير تكرار نغمة عمرها عشر سنوات حول «كل شيء فاسد في بلادنا».
هل من الممكن أن تحدث السيناريوهات التونسية والمصرية والليبية في روسيا؟ حتى الآن الإجابة عن هذا السؤال هي «لا». على صعيد الجبهة الداخلية، تتسم المعارضة السياسية بأنها مجال خاوٍ، فليست هناك حركة أو شخصية كارزمية تحظى بالقبول يمكن أن تقود مثل هذه الاحتجاجات. المعارضة، تماماً كالنخبة الحاكمة، تخلو من «ضمير الأمة»، وهو الذي يقوم بدور الوسيط، لديه أسس أخلاقية لتحدي النظام الحالي، وله صلة ضئيلة أو معدومة بالتجاوزات التي جرت في عقدي التسعينات من القرن الماضي أو مطلع الألفية الحالية. علاوة على ذلك، فإن جميع استطلاعات الرأي تشير إلى أن انهياراً اجتماعياً اقتصادياً رئيسياً، ربما يصبح القوة الدافعة للتحرك في الشوارع. أشار استطلاع للرأي كثيراً ما يتم تداوله أجرته مؤسسة الرأي العام، إلى أن 49٪ ممن شملهم الاستطلاع مستعدون للمشاركة في احتجاجات، وهذا يعتبر افتراضياً إلى حد كبير ولا يعبر عن الرغبة الحقيقية في النزول إلى الشوارع بأعداد كبيرة في المستقبل القريب. من الواضح أن النسبة، التي تم استطلاعها خلال الحملة الشعبية ضد خطة الحكومة لتسييل المنافع الاجتماعية في عام 2005، كانت أكثر من 60٪.
يرى البعض أنه لا ينبغي التقليل من شأن العوامل الخارجية، عند تحليل مخاطر اندلاع الاضطرابات الشعبية في روسيا. ومن ينشرون التعليمات بشأن «التغيير الديمقراطي» بين حشود المتظاهرين في مصر، ويقومون بالتعبئة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، والمنظمات غير الحكومية التي يتم تمويلها من الخارج، الجميع يشيرون إلى تورط الولايات المتحدة في إذكاء الاحتجاجات. ومن الطبيعي أن تسخر واشنطن في نهاية المطاف كل طاقاتها في هذه المنطقة المهمة استراتيجيا، لكن روسيا لا تتمتع بهذا المستوى من الأهمية بالنسبة للمناضلين من أجل الديمقراطية في الولايات المتحدة.
لو كانت هذه القوى من الأميركيين، فإن ذلك يعني أن شيئا لن يحدث أيضاً. ليس من مصلحة واشنطن أن تكون روسيا غير مستقرة أو مفككة، خاصة بالنظر لاحتمال عدم الاستقرار في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية في 2014. ليس من مصلحة الرئيس الأميركي باراك أوباما التضحية «بإعادة» تقييم العلاقات الثمينة مع روسيا، والتي يبدو أنها أحد الإنجازات القليلة خلال فترة رئاسته.
المفارقة أنه حتى لو كانت الولايات المتحدة ستبدأ هذا النوع من الحملة التخريبية، فسوف تكون النتيجة عكس ذلك مباشرة. سوف يكون الخطاب المناهض للغرب عاملاً كبيراً لتدعيم المجتمع الروسي. ولأسباب تاريخية، وربما حتى من الناحية «الوراثية»، فإن الروس لديهم إدمان على نظريات المؤامرة، وحاجة ملحة إلى وجود أعداء خارجيين. ولكن من عاشوا خلال الفترة السوفييتية لا يريدون العودة إلى هوس التجسس وكراهية الأجانب، ولا يريدون أن يفقدوا بلادهم مرة أخرى.
إن هناك حاجة ملحة لوضع سياسة جديدة تجاه آسيا الوسطى. وينبغي أن تطالب كل من روسيا والولايات المتحدة هذه الدول، بمزيد من الشفافية لحماية مصالحهما في المنطقة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية بسيطة. يتعين على موسكو وواشنطن التركيز على العمل مع النخب، سواء كانوا ورثة محتملين للحكم أو قادة معارضين.