كشفت السلبية وانعدام الطموح الكامن في منهاج تجاري ثنائي، حيال السياسة الخارجية عند الحكومة الائتلافية البريطانية، عن القصور السيئ في مواجهة الأحداث الأخيرة. لم تتباطأ وتيرة التغيير في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال أكثر من شهر، وكل بضعة أيام يظهر قرار صعب آخر على مكتب وزير الخارجية البريطاني، مثل كيف يمكن ممارسة الضغط على نظام مبارك؟ وكيفية التعامل مع الوضع في البحرين؟ وكيفية ضمان اجتياز آمن للمواطنين البريطانيين من الوضع المتدهور بسرعة في ليبيا؟

لا يوجد في التحديات السياسية التي فرضتها هذه الأحداث الصاخبة، ما يمكن اعتباره واضحاً أو سهلاً. فقد انهارت الافتراضات القديمة، بالسرعة نفسها التي انهارت بها الأنظمة القديمة. ولكن، للأسف، أبدت الحكومة البريطانية سيطرة ضعيفة على الموقف بشكل لافت. وعدم الكفاءة التشغيلية تبعتها حالة من التنافر الاستراتيجي. وتجلت الفوضى بشأن الرحلات الجوية، وحالة من عدم اليقين على نطاق أوسع حول من الذي كان مسؤولاً.

بعد ذلك، وفي أحد الأيام تمت مناقشة مسألة فرض منطقة حظر للطيران لكي يتم التغاضي عن الفكرة في اليوم التالي، فيما حذر وزير الدفاع الأميركي «روبرت غيتس» من «النقاش الفضفاض». وكأحد أشكال حسن التدبير، اختارت الحكومة البريطانية أيضاً في ذلك اليوم، الإعلان عن إقالة الألوف من أفراد سلاح الجو الملكي البريطاني. عندئذ اندلع غضب الرأي العام، في الوقت الذي كان هناك شد وجذب في مناقشات مجلس الوزراء بشأن ليبيا.

يحق للناس أن يتساءلوا حول ما يجري وما جرى بطريق الخطأ. بالتأكيد، هناك افتقار للخبرة على جميع المستويات الحكومية، وهو ما يظهر في ارتكاب أخطاء أساسية، مثل عدم التئام شمل مجموعة «كوبرا» (فريق الطوارئ في المملكة المتحدة) بشكل عاجل، ومن خلال الفشل في التنسيق بشأن التصريحات العلنية مع الحلفاء الرئيسيين لبريطانيا.

لكن ثمة أيضا مسألة أعمق؛ فالأجيال السابقة من القادة نضجوا من خلال لحظات جيوسياسية، مثل أحداث عام ‬1989 وحروب البلقان وأحداث الحادي عشر من سبتمبر ‬2001. ورؤية العالم للحكومة البريطانية الحالية تحددت في جانب كبير منها، من خلال الأزمة المالية العالمية. ووفقا لذلك، اعتقدت الحكومة الائتلافية أنها إذا تراجعت عن الشؤون الخارجية، فإن حالة من الهدوء على الساحة العالمية ستنعكس وتعزز جدول أعمالها الداخلي في التقشف.

لقد جاء المحرك لهذه الأحداث من داخل المنطقة، وليس من خارجها. لكن التحدي هو استخدام النفوذ البريطاني لدعم التحولات السياسية في شمال إفريقيا، مع تلك الدول التي لا تبعد سوى ثمانية أميال عن أوروبا، بدلاً من مجرد لعب دور المتفرج. التحدي الحقيقي أمام بريطانيا اليوم، هو ما إذا كان بمقدورنا أن نجعل الثورات «المتشابكة» التي نشهدها، منسجمة مع سياسة خارجية متشابكة.

إن بريطانيا هي البلد الوحيد الذي يمكنه العمل بشكل متزامن، من خلال الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن الدولي وحلف «ناتو» والكومنولث. لذلك، ما هي ملامح الأجندة البريطانية في الأيام القليلة المقبلة؟ يتعين أن يبقى الضغط المستمر على النظام الليبي وحماية الشعب، ضمن الأهداف الاستراتيجية الغربية، وأن تتقدم الحكومة البريطانية من الآن، باقتراح أن تصبح جلسة الاتحاد الأوروبي قمة طارئة مشتركة مع اجتماع الجامعة العربية، وأن يكون الهدف الرئيسي لهذه المجموعة، هو إجراء اتصالات مع زعماء المعارضة لدعم جهودهم في إدارة الأجزاء الكبيرة من ليبيا التي يسيطرون عليها. ومن خلال اجتماع وزراء دفاع «ناتو»، ينبغي أن تكون بريطانيا في قلب جميع الاحتمالات التي ربما تكون مطلوبة.