صرح القذافي مؤخراً بأنه لا يريد التنازل عن السلطة، وأنه على استعداد «للتضحية بنفسه والقتال حتى آخر قطرة من دمه دفاعاً عن ليبيا». ولكن، إذا أردنا أن نبحث عن الشهداء الصرعى، فهم من معارضيه وخصومه المحتجين الذين ثاروا على نظامه الاستبدادي.

لم يتردد الزعيم الليبي لحظة واحدة في قصف شعبه بالقنابل وإطلاق ميليشياته المدججة بالأسلحة الثقيلة، ورغم هذا الاستخدام المفرط للقوة التي لا معنى لها، فإن نظام العقيد، «المسعور» كما أطلق عليه الرئيس الأميركي رولاند ريغان في حينه، لا يعدو أن يكون معلقاً بخيط رفيع يمكن أن يتهاوى في أية لحظة.

انقلب عليه جيشه ووزراؤه وسفراؤه وغيروا وجهتهم ومواقفهم، وتوصلوا إلى التفاهم مع الثوار المحتجين، وخاصة مع رؤساء العشائر، ومنها قبيلتان من أكبر القبائل الليبية؛ الورفلّة والزاوية، ودعوا إلى تغيير الحكومة والسلطة والنظام، مما أفقده أهم سلاح لعب على توازناته على مدى أربعة عقود، وكانت هذه اللعبة القديمة الجديدة سبب بقائه كل هذه الفترة.

كما نجح القذافي في فترة حكمه على مدى أكثر من أربعين عاماً، في أن يجعل من نفسه حاكماً مكروهاً من قبل الجميع في المنطقة العربية وسواها، لذا لا نتوقع أن يقدم أحد على نجدته أو تقديم العون له، لا من الإسلاميين ولا من الأنظمة الاستبدادية أو غيرها. ومن الطريف في هذه الأيام أن بعض كتّاب الأعمدة (ومنهم الكاتب السوري سامي مبيض، على سبيل المثال، الذي كتب في صحيفة «أخبار الخليج» الصادرة بالانجليزية) يدين الزعيم الليبي وبسخرية لعدم قدرته على دخول القرن الحادي والعشرين، وفي الوقت نفسه يدين صداقاته المشبوهة والمدانة مع رؤساء الغرب في السنوات الأخيرة!

وعلى النقيض من تونس ومصر، لا توجد أي بنية للمؤسسات التي يمكن الاعتماد عليها في التحوّل الديمقراطي المنتظر في هذا البلد، لأن القذافي أفرغ البلاد من جميع المؤسسات مدنية كانت أم عسكرية، وكأنه يقود قطيعاً من الأغنام، وليس شعباً له حقوقه وواجباته ومؤسساته ومكتسباته التي حققها على مرّ السنين، وحتى الجيش نفسه لم يتحوّل هو الآخر إلى مؤسسة تتمكن من الدفاع عن حقوق الشعب عند الضرورة، لأنه فرض على قيادته أفراد قبيلته لتتحكم في هذا الجيش، وتعبث بمقدراته، وتهينه ليل نهار. والأخطر من ذلك، أنه فرض قوانينه (أو لا قوانينه) على هذا الجيش، وسلب منه حريته وكرامته وقدراته، لذلك فهو كالقنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في أية لحظة، وتحوّل ما يحيط به إلى نار ورماد، وذلك واضح في الاستقالات العديدة التي قدمها ضباط الجيش الليبي.

وفي البلدان المجاورة، لا تلعب الحركات الإسلامية دورا قياديا، ويعود السبب إلى تراجع الإسلاميين سياسياً، كما لاحظ بعض المراقبين السياسيين أمثال أوليفييه روي وجيل كيبل المتخصصين في العالم الإسلامي. ومع ذلك فإن الأوساط الإسلامية المحافظة مهدّت الطريق للثورات في البلدان العربية، من خلال تنديدها بفساد الأخلاق والاستبداد والمراوغة. ونحن في فرنسا شهدنا شيئاً من هذا القبيل خلال القرن الثامن عشر، وهو ما عرف بالحلقات الدينية الإكليركية (الكهنوتية)، المرتبطة بالبرلمان البورجوازي، والتي هيأت الأرضية للثورة الفرنسية.

وبالطريقة ذاتها، فإن الأصولية لم تفجّر ربيع الثورة العربية، ولكن صنّاعها العظام هم من المسلمين المؤمنين بالإسلام.