تعرّض المجتمع الدولي للخطر جرّاء الثورة التي تجتاح العالم العربي. واتسم موقف الولايات المتحدة بالتذبذب من الدعوة إلى الاستقرار لحماية حليف استراتيجي هو الرئيس المصري السابق حسني مبارك إلى التهليل لعملية الإطاحة به. وسلكت فرنسا المسار نفسه إزاء تونس. ولحسن الحظ، استقالت وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل اليو ماري من منصبها،أخيراً، وقد كان أول رد فعل لها حيال الانتفاضة التونسية أن تعرض على الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي بمعرفة فرنسا الأكثر تفوقاً لمساعدته في مكافحة الشغب. لكن تورط عائلتها مع النظام القديم (حيث كان يمتلك والداها أسهماً في شركة عقارات امتلك رجل أعمال مقرب من نظام بن علي) قدم مسرحيته الخاصة. قلة من المراقبين اتسموا بالموضوعية. وعندما تعلق الأمر باندلاع أزمة، مثل تنظيم عمليات استجواب لجماعات مناهضة تحت التعذيب في باكستان، فقد تعاونت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وغيرها من المنظمات الأخرى، مع أكثر العناصر الظلامية في نظام مبارك. وبالنسبة لكل من روسيا والصين، اللذين تساورهما الكثير من المخاوف إزاء قيام شعبيهما بمظاهرات عفوية، فقد كان حظهما أفضل بعض الشيء.
يتواصل الصراع الكامن بين السياسة والمبدأ حتى يومنا هذا. ففي حين انصب اهتمام العالم على ترقب نهاية الرئيس الليبي معمر القذافي، فإن القوات الليبية ليست وحدها من تطلق النار على المتظاهرين العزل. بعد انطلاق تظاهرة حاشدة في «ميدان تحرير» آخر، هذه المرة في بغداد، اعتقلت قوات الأمن العراقية 300 شخص، من بينهم صحافيون بارزون وفنانون ومثقفون، وبعضهم تعرض للضرب في وقت لاحق أو للتعذيب أثناء الاحتجاز. ولقى مالا يقل عن 29 شخصاً حتفهم في «يوم الغضب» في العراق. وبدلا من التنديد بحليفها نوري المالكي، الذي صنعت واشنطن ائتلافه الحكومي بإتقان على مدار شهور من التأسيس، فقد قللت السفارة الأميركية في بغداد من شأن العنف.
ينبغي استخلاص ثلاثة دروس من الثورات التي تحدث في ليبيا ومصر وتونس وغيرها من الدول. الدرس الأول، هو أنها تنتمي إلى الناس الذين صنعوها. فقد قدم الليبيون والمصريون والتونسيون تضحيات هائلة للوصول إلى هذا الحد، وتأثر شهود العيان بإصرارهم وبطولاتهم. فهم لا يريدون، كما أنهم لم يسعوا بعد إلى التدخل الأجنبي. فملكية التغيير في منطقة الشرق الأوسط لا تجعل، رغم ذلك، التحرك الدولي بلا أهمية. فالتصويت في الأمم المتحدة من أجل فرض حظر بالسفر والعقوبات بتجميد الأصول على القذافي وحاشيته يضع أساساً جديداً للدعم الدولي الذي حشدته المنظمة الدولية، الذي تمت مساندته من جانب الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي وبدعم من بعثة ليبيا في الولايات المتحدة نفسها، والتي أعلنت انشقاقها بشكل جماعي. ليس من المرجح أن يستمر هذا الدعم، لكن عملية إعادة اكتشاف الفوائد الحقيقية من حشد التحالفات الدولية والمؤسسات الدولية مثل مجلس حقوق الإنسان يعتبر أمراً صحياً.
أما الدرس الثاني، فهو أن هذه الثورات قد بدأت لتوها، ولا تزال مهمة التخلص من الوجوه القديمة جارية. فقد خلعت تونس زعيمها الثاني في غضون عدة أشهر عندما استقال محمد الغنوشي كرئيس للوزراء بعد ثلاثة أيام من الاحتجاجات الأخيرة. ومع الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة وفرنسا من أجل تشكيل نموذج من شأنه استيعاب أعضاء قياديين في الحزب الحاكم القديم، وهو حزب التجمع الدستوري، في شكل حزب ديمقراطي جديد، فإن الشارع التونسي يرفض ذلك تماماً.