كي تزدهر الديمقراطية في ليبيا، سوف يتطلب الأمر من الغرب تقديم شتى أشكال المساعدة وعناصر الخبرة. أثبتت إرادة الشعب في مصر وتونس أنها قوة لا تقاوم، ولكن في ليبيا واجهت تلك القوة عائقاً تصعب زحزحته على ما يبدو، هو تصميم الرئيس الليبي معمر القذافي على التشبث بالسلطة بأي وسيلة. فالعديد من الحكام حين يواجهون انتفاضات تسيطر على أنحاء كبيرة من بلدانهم وتخلي العديد من أتباعهم والانتقادات المستمرة من المجتمع الدولي، كانوا سيبادرون بالاستسلام للأمر الواقع. لكن قوة الارادة، أو المس الأحادي، الذي أبقى على القذافي لأكثر من 40 عاما في الحكم، لن يكون من السهل إحباطه. في الواقع، ساد في الأيام الأخيرة شعور يعيد أجواء مخبأ هتلر في برلين، شعور بدكتاتور أكثر من مستعد لجر شعبه معه إلى الهاوية.
الآن وقد استخدم القذافي أدوات الدولة، على الأقل تلك التي لا تزال تحت سيطرته، ضد شعبه، وتجرد من عباءة الكياسة التي سارع أصدقاؤه في الغرب (في بريطانيا على وجه الخصوص) إلى منحه إياها، فإن هذا الوضع طرح أمام العالم معضلة مروعة. ومع وجود أحداث العراق وأفغانستان عالقة في الأذهان، فإن التدخل العسكري لا يعتبر خياراً واقعياً. ولكن التراجع وعدم الإقدام على اتخاذ إجراء، من شأنه المخاطرة بحياة المزيد من الناس في براثن حرب أهلية دامية وطويلة.
حتى الآن، استقطبت الحكومة البريطانية بعض الانتقادات، وخصوصا بشأن عملية الإجلاء المتأخرة للرعايا البريطانيين (رغم أن مهمة الإنقاذ المثيرة التي تمت أخيراً من قبل القوات الخاصة، سوف يكون لها أثر في تهدئة المخاوف في هذا الصدد)، إلا أن القوة الدافعة للسياسة البريطانية كانت سليمة. ورغم روابطنا في مجال التجارة والطاقة مع نظام القذافي، فقد كانت استجابة الوزراء البريطانيين السريعة مثيرة للإعجاب بأخذ زمام المبادرة (جنباً إلى جنب مع حلفاء مثل فرنسا) في جعل هذا النظام منبوذاً، وتوجيه الجهود الرامية إلى تحديد ممتلكاته في الخارج والاستيلاء عليها، وحث مجلس الأمن على اتخاذ إجراءات عاجلة. فقد تعهد «وليام هيغ»، وزير الخارجية البريطاني، في تصريحات لـ «ديلي تلغراف»، بتكثيف الضغط في هذا الصدد خلال الأيام المقبلة. وتلقى هذه الأنباء ترحيباً، لأن مثل هذه التدابير لا تقيد حرية القذافي في العمل فحسب، ولكنها بمثابة تشجيع لمعارضيه داخل ليبيا، وتساعد على إقناع المترددين من مؤيدي النظام بأن عهد الدكتاتور قد ولى.
إن الحاجة ماسة الآن للحيلولة دون مزيد من الخسائر في الأرواح، عن طريق إضعاف النظام الليبي بحيث يفقد قبضته على زمام الأمور، أو إخضاع العناصر الموجودة داخل النظام، سواء بالضغوط من الداخل أو من الخارج. والإقناع الأخلاقي وحده لن يكون كافياً، وبالتالي تأتي المقترحات بفرض منطقة لحظر الطيران، واتخاذ تدابير أكثر جرأة. في هذا المنعطف، يتعين التباحث بشأن كل خيار مطروح على وجه السرعة، ولكن يجب أيضا أن يتم توجيه الأفكار إلى ما يجري في حال أو وقتما يتم تجريد النظام من السلطة. وكما تقول «جانيت دالي»، إنه من الخطأ القول إن العرب غير مؤهلين للديمقراطية على نحو ما، لكن بناء دولة فاعلة سوف يكون عملية طويلة ومؤلمة. في ليبيا تم الاستحواذ على الكثير من الثروة النفطية التي كان ينبغي أن تثري السكان نسبيا، بواسطة نخبة من المختلسين، وأودعت في حسابات أجنبية. فإمكانيات تحقيق الرخاء متوفرة، وفي الواقع، فإن التوقعات يمكن أن تكون أكثر تفاؤلا مما هي عليه في مصر، حيث تواجه المؤسسات المدنية مهمة تحقيق النمو للملايين من الشعب الغارق في الفقر المدقع. ولكن من أجل أن تزدهر الديمقراطية في ليبيا، سوف يتطلب الأمر منا أن نقدم كل المساعدة، وكل أشكال الخبرة.