ألقى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مؤخراً، كلمة أمام البرلمان الكويتي، دعا فيها الحكومات على امتداد العالم العربي إلى تلبية تطلعات شعوبها المشروعة من أجل الحرية. واعترف كاميرون بأن بريطانيا كانت مخطئة في الماضي، عندما دعمت الأنظمة القمعية بحجة الاستقرار. لكن الأفعال أجدى من الكلمات. فلا يمكن لخطاب كاميرون، أن يخفي حقيقة أنه يسعى للتعاون مع بعض القادة الذين ينكرون على شعوب المنطقة حريتهم. ولقد رافق كبار المديرين التنفيذيين في القطاع الدفاعي البريطاني رئيس الوزراء البريطاني في هذه الجولة الإقليمية. وبينما كان يشيد بالحرية في الكويت، كان عدد من المسؤولين البريطانيين يقومون على الصعيد العملي بما هو نقيض لذلك تماماً. ينفي كاميرون علاقته بمجال تسليح الطغاة على امتداد العالم، بحجة أن بريطانيا لديها أشد القواعد صرامة في ما يتعلق بصادرات الأسلحة. ولكن في العام الماضي، سمحت هذه القواعد ببيع الغاز المسيل للدموع والمعدات العسكرية إلى عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها ليبيا التي هاجم رئيسها المتظاهرين العزل بوحشية في الأيام الأخيرة!
أشار كاميرون أيضاً في كلمته إلى حرب الخليج الأولى لتبرير مبيعات الأسلحة، موضحاً أن بريطانيا جاءت للدفاع عن الكويت في عام 1990، عندما تعرضت للغزو العراقي في عهد الرئيس السابق صدام حسين. قد يكون هذا الأمر صحيحاً، لكن الممارسات البريطانية في العديد من أرجاء العالم تكشف عن الازدواجية القائمة بين تصريحات مسؤوليها وأفعالهم. وسوف ينخدع كاميرون إذا تصور أنه يمكنه التبشير بمصداقية بالديمقراطية، بينما يدعم الأنظمة المستبدة. كان بإمكان رئيس الوزراء البريطاني بكل سهولة، إلغاء هذه الرحلة نظرا لحساسية الموقف في المنطقة، أو أن يطلب من التنفيذيين الذين رافقوه في رحلته البقاء في بريطانيا. عدم قيامه بذلك يوحي إما بالغطرسة المفرطة، أو بالجهل حول الكيفية التي سيتم بها تقييم سلوكه. وفي كلتا الحالتين، فإن هذه الازدواجية البريطانية تعد بمثابة خطأ فظيع في تقدير الأمور.
تكمن جذور هذا الخطأ البريطاني، في المنعطف الخاطئ الأساسي في نهج الحكومة البريطانية حيال العلاقات الخارجية. في الأيام الأولى من الائتلاف البريطاني، كان هناك نهج متوازن لافت في السياسة الخارجية. وفي يوليو الماضي، ألقى وزير الخارجية البريطاني «ويليام هيغ» كلمة فصل خلالها بين دور الحكومة في التدخل الحماسي خلال حكم رئيس الوزراء السابق توني بلير، وبين العداء الأوروبي لكثير من الناشطين المحافظين. لكن هذه البراغماتية سرعان ما أفسحت الطريق للروح التجارية الحماسية، وصدرت التعليمات للدبلوماسيين البريطانيين بتعزيز التجارة البريطانية في صميم عملهم. وتوجه كاميرون إلى الصين والهند في العام الماضي، في رحلات يرافقه خلالها كبار رجال الأعمال. ورفضت الحكومة فكرة أن انخراط بريطانيا مع العالم ينبغي أن يكون له محتوى أخلاقي. يمكن أن يتم تلخيص الهدف في ثلاثة عوالم، وهي التجارة ثم التجارة ثم التجارة. كان هذا على الدوام مبدأ فجاً على نحو خطير، وهو يكشف الآن عن عيوبه. عندما احتوى رئيس الوزراء السابق توني بلير الرئيس الليبي العقيد القذافي بحماس بعد عام 2003، كان ذلك مدفوعاً بالاعتبارات التجارية. ونتيجة لهذا الاحتواء، فإن بريطانيا تغامر بارتباطها بالعنف الوحشي الذي يمارسه القذافي الآن. ويبقى أن نرى ما إذا كانت الجزائر وغيرها من الدول العربية سوف يكون لديها المبرر لاستخدام المعدات العسكرية بريطانية الصنع، ضد شعوبها. هذه ليست كارثة فقط على سمعة بريطانيا في المنطقة، فمن المحتمل أن تشكل ضرراً على آفاق التجارة البريطانية في نهاية المطاف، إذا تمت الإطاحة بالأنظمة المستبدة.
لقد شهد العالم العربي تحولاً خلال الأسابيع الماضية، وقلما شهد العالم نموذجاً مماثلاً لذلك منذ سقوط جدار برلين. وإذا لم يفق كاميرون على الواقع الجديد، فإن نفاقه سيشكل خطراً بإلحاق ضرر دائم بالمصلحة الوطنية البريطانية.