النظام الحاكم في ليبيا قرر إلغاء نظام الدولة التقليدي وأن يحل محله النظام العضوي الذي قيل إنه منح السلطة للجماهير. الآن تتصاعد الاحتجاجات من الجماهير نفسها ضد النظام، لابد أن يكون ذلك الآن مصدرا قلق كبير في الوقت الذي يزيد فيه غضب النظام بعد الاحتجاجات التي عمت بنغازي وطرابلس، ذلك لأن ليبيا ليس لديها ما يشبه الطبقة المتوسطة الغنية والمتقدمة نسبيا وثقافة المعارضة المتوافرتين لدى جارتيها مصر وتونس. وفي حين أن ثورتي تونس ومصر ضمنتا الوصول إلى مسار سليم، فإن الاحتمالات يمكن وصفها على الأقل أنها طيبة.
ليس من الواضح في ليبيا من الذي يمكن أن يوفر الأساس اللازمة لانتقال السلطة. هناك شك حول تماسك الجيش، والهياكل العشائرية القديمة منقسمة وضعيفة على حد سواء، ولم يحصل الإسلاميون في ليبيا على الخبرات ذاتها التي جعلت من نظراءهم في أماكن أخرى أكثر تطورا ومرونة. والمصريون، الذين ربما مارسوا نفوذا في ظل ظروف مختلفة، مشتتون. وتفتقد الجامعة العربية إلى كلٍ من التفويض والوسيلة.
مسألة أن هناك بعض الرجال المحترمين، أو على الأقل الذين يتسمون بالدهاء، في النظام برزت من خلال استقالة بعض الشخصيات الرئيسية في الأيام الماضية. ينشق الدبلوماسيون التابعون للقذافي عنه مثل تساقط ملابس الإمبراطور الذي تتحدث عنه الأساطير. ويمكن لبعض هؤلاء الرجال، مثل عبد المنعم الهوني، مندوب ليبيا لدى الجامعة العربية، الذي وصف ما يحدث في ليبيا بـ «الإبادة جماعية»، أن يشكل نواة للإصلاح، ولكن يبدو أن ذلك هو أبعد الاحتمالات. وأنصار القذافي، بمن فيهم أبناؤه، أكثر تعرضاً للخطر من أن تكون لهم فائدة.
إن القذافي ليس هو من سطر مصائب ليبيا وحده. فقد غرس التاريخ السياسي الليبي أرضها بالمرارة قبل فترة طويلة من مجيئه إلى الحكم. عندما ناقش البرلمان الايطالي بحماس مسألة استعمار ليبيا في عام 1911، حذر المستشرق الإيطالي «ليون كايتاني»، من هذا المشروع على أسس أخلاقية وعملية. وأعلن: «إن ليبيا ليست لديها طرق أو موانئ أو سكك حديدية أو مبانٍ، لا شيء، لا شيء، لا شيء!».
القدر اليسير الذي أنشأه الإيطاليون آنذاك من البنية التحتية تم تدميره في الحرب العالمية الثانية، وعندما حصلت ليبيا على استقلالها كانت واحدة من أفقر البلدان في أفريقيا، على الرغم من أن النفط كان على وشك جعلها واحدة من أغنى الدول. أعطى النفط ليبيا في عهد القذافي اقتصاداً من نوع ما، إلا أن ما قاله «كايتاني» قبل قرن من الزمان ظل صحيحاً بمعنى أكثر عمقا. وتلت الهيمنة التركية غير الفعالة فترة من وحشية الاستعمار الإيطالي، اجتياح دبابات «رومل» و«مونتغمري» للبلاد، والنظام الملكي الذي لم يدم طويلاً، وأخيراً جاءت دولة يحكمها القذافي على مدار 40 عاماً دون دولة، وخلفت ليبيا مجردة من المؤسسات.
اتسمت ثورة القذافي في البداية بمنطق معين، وحققت بعض الأشياء المفيد. واستندت ثورته المناهضة للتدخل الأجنبي إلى أساس قوي يتماشى مع الشعور الليبي. وعلى وجه خاص عكس عدم ثقته لنظام الدولة التقليدية مما كان يساور معظم الليبيين، الذين فقدوا أي إحساس بالملكية في أي ترتيبات سياسية سائدة من وقت لآخر.
يمكن القول إن القذافي قد أعطى الليبيين الوحدة التي ظلت تراوغهم حتى الآن، وذلك حينما اتحدوا في النضال للإطاحة بنظامه.