أطلق رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، في كلمته أمام حزب العمال بعد أحداث سبتمبر، صيحته الشهيرة التي اقتطفها الكثيرون، وهي: «لقد اهتز المشهد ومكوناته تتغير وسوف تعاود الاستقرار مجددا عما قريب، وقبل أن يحدث ذلك دعونا نعيد تنظيم هذا العالم من حولنا». إن هذه الكلمات تبدو اليوم شديدة التعسف وبالغة الخطورة، فقد أدت عملية إعادة التنظيم التي تحدث عنها بلير، إلى نشوب حربين والقليل عدا ذلك.
الآن وبعد عقد تقريبا من إطلاق هذه الكلمة، فإن المشهد الجيوسياسي يهتز مجددا، ولكن بعد أقل من شهرين من بدء الاحتجاجات في تونس، فإنه يبدو واضحاً بصورة متزايدة مدى محدودية القوة التي نتمتع بها، والتي يمكن لها أن تعيد تنظيم أي شيء، بما في ذلك الجزء من العالم المجاور لنا مباشرة.
إن سرعة الأحداث تخطف الأنفاس، وهذا ما شهدناه خلال الأيام القليلة الماضية، في أكثر من بلد على امتداد الشرق الأوسط. فقد رأينا المظاهرات تندلع في الجزائر واليمن وليبيا وغيرها، وتسفر عن صدامات عنيفة، حتى في الوقت الذي كان المصريون يستأنفون احتفالاتهم برحيل النظام السابق. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد إلى مسيرات في المغرب ومظاهرات في أذربيجان. ولكن أكثر المواجهات ضراوة وقعت شرقي ليبيا، حيث عمدت القيادة هناك إلى نشر أسلحة ثقيلة ومرتزقة أفارقة في محاولة لاستدامة الوضع القائم. ولم يبد بصورة فورية مدى نجاح هذه الجهود، وكل ما أدركه العالم هو أن مئات القتلى قد سقطوا في شوارع ليبيا، فضلا عن مئات الجرحى.
والمشهد العام يوحي بأن المنطقة بأسرها تغلي، من المغرب غربا إلى وسط آسيا شرقا، مرورا بشرق المتوسط وقلب العالم العربي. ويلاحظ المراقبون أنه حتى الدول التي بذلت جهودا في تحقيق إصلاح، ربما لا تكون محصنة ضد هذا المد الجارف، فالتغيير الذي بدا أنه تأخر طويلا في هذا الجزء من العالم، يبدو الآن على أهبة اكتساح هذه المنطقة الشاسعة.
ومع كل هذا الحراك، تبرز أمور أقرب إلى الملاحظات منها إلى الاستنتاجات النهائية. أولاها ترتبط بمعرفتنا بما يجري حقا، فبينما تمكن من ليسوا على اطلاع وثيق على مجريات الأمور، من تتبع الأحداث في مصر مثلا من لحظة إلى أخرى، فإننا نجد دولا مثل ليبيا، فرضت قيودا شديدة الصرامة على أجهزة الإعلام والصحافيين، بحيث أصبح من الصعب على العالم أن يرصد نطاق الاحتجاجات. ولولا شجاعة أفراد في قلب الأحداث، لما اطلع العالم على بعض التفاصيل عما يجري في ليبيا، مثلاً.
والملاحظة الثانية تتعلق بالطبيعة المزدوجة لضلوع الغرب، الذي طال أمده في المنطقة. وبينما قد يكون صحيحا أن الإلحاح من جانب الإدارة الأميركية، قد حال دون لجوء الجيش المصري إلى استخدام القوة في مواجهة الشارع الغاضب، ودفع النخبة السياسية في دول أخرى للعودة عن إصرارها على استخدام القوة في الشارع، فإن التقارب البريطاني مع ليبيا لم يحدث مثل هذا التأثير على القيادة الليبية. والحقيقة أنه في معظم هذه الدول، فشل الغرب في ممارسة أي ضغط من أجل الإصلاح السياسي عندما كان بوسعه ذلك، وكان يتعين عليه فعله، وما يحدث الآن في المنطقة هو الحصاد لما ساعد الغرب على غرسه.
والملاحظة الثالثة ترتبط بالتدخل، فهناك القليل مما يمكن للدول الغربية القيام به في ما يتجاوز الدعم المعنوي لمن يطالب بالديمقراطية، في بلاد ساعد الغرب على إبقاء حكامها غير الديمقراطيين في مناصبهم. وربما كانت المصالح الأمنية للغرب معرضة للخطر، ولكن كان ينبغي أن نتعلم من أزمة السويس عام 1956، أن محاولات رد مسار التاريخ إلى الوراء، لن تؤدي إلا إلى تفاقم المواقف الصعبة، وغير محددة الملامح.