سئل وليم هيغ وزير الخارجية البريطانية مؤخراً، حول ما إذا كان يشعر الآن بالإحراج من استخدام الأسلحة التي باعتها بريطانيا لعدد من دول الشرق الأوسط، ضد المحتجين في شوارع عواصم تلك الدول، فقال متجنبا الرد المباشر: «ليس لدينا دليل على أن تلك الدول قد استخدمت تلك الأسلحة»!
يختصر هذا التصريح بصورة كاملة، العمى الأخلاقي الذي يتسم به الموقف البريطاني الرسمي حيال عمليات تصدير السلاح، حيث انه في أكثر من مدينة على امتداد الشرق الأوسط، استخدمت الأسلحة والمعدات البريطانية في قمع المتظاهرين، وقتل أعداد منهم وإصابة المئات.
صحيح أنه ليس هناك دليل مباشر على أن الأسلحة البريطانية قد استخدمت في عمليات قتل مباشرة من هذا النوع، ولكن في ضوء منح شركات بريطانية خلال العام الماضي، تراخيص بتصدير العديد من الأسلحة والمعدات التي تستخدم في السيطرة على المتظاهرين في الشرق الأوسط، فإن من المعقول أن نفترض أن الأسلحة البرطانية يجري استخدامها في هذا الشأن.
أكد هيغ أيضا: «إننا لا نبيع لدول أخرى مواد يحتمل أن تستخدم في القمع الداخلي». ولكن في ضوء طبيعة الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط، يثور السؤال التالي: في أي شيء آخر تستخدم هذه الأسلحة؟
إن الائتلاف الحاكم في بريطانيا، لديه كل المعلومات التي يمكن أن يحتاجها عن أنظمة الشرق الأوسط، وقد كانت هذه المعلومات تحت أنظاره لدى السماح بتصدير هذه الأسلحة. ومنذ وصول الائتلاف إلى السلطة في بريطانيا، سمح لأربع دول على الأقل في الشرق الأوسط، باستيراد أسلحة ومعدات بريطانية تستخدم في قمع المتظاهرين والمحتجين، ويبدو أن الحكومة البريطانية تنظر إلى الأرباح الخاصة في بريطانيا، على أنها أكثر قيمة من أرواح البشر في الخارج.
وللإنصاف، فإن الحكومة العمالية السابقة لم تكن أقل سوءا من الائتلاف الحاكم الحالي، فقد وصل حزب العمال إلى السلطة عام 1997 واعداً بسياسة خارجية أخلاقية، بعد سنوات من السياسة الانتهازية التي اتبعها المحافظون، ولكن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، انتهى به الحال أيضاً إلى وضع مصالح منتجي الأسلحة البريطانيين، أمام مصالح الشعوب المقموعة على امتداد الشرق الأوسط. وقد أوقف تحقيقا كان مكتب أعمال النشر الخطيرة على وشك أن يجريه، في صفقات شركة «بي إيه إي» مع إحدى الدول العربية عام 2006، وكان العذر الذي طرحه في معرض تبرير تدخله في هذه الشأن، هو أن التحقيق من شأنه أن يعرض للخطر التعاون بين بريطانيا والدولة المعنية في مجال مكافحة الإرهاب.
غير أن أحد تقديرات بلير كان أن التحقيق من شأنه أن يلحق الضرر بالصناعات الدفاعية البريطانية، وذلك مع تهديد الدولة العربية المعنية بالانسحاب من صفقة كانت قد أبرمتها مع أكبر منتج بريطاني للأسلحة.
ولا تزال هذه السياسة غير الأخلاقية مستمرة، فبينما يمضي هيغ في الحديث عن تشجيع حرية أوسع نطاقا في الشرق الأوسط، فإن عشرات من الشركات البريطانية يتوقع أن تواصل إبرام الصفقات مع الأنظمة المعنية في المنطقة. هذا النمط في أنشطة الأعمال، تم تكريسه على امتداد عقود من الزمن، وهذه الترتيبات المتبادلة تكرس شعور دول الشرق الأوسط المعنية باستقرارها واستمرارها، وفي الوقت نفسه تزيد الأرباح والتوظيف في الدول الغربية. ولكن التحرك من أجل الديمقراطية الذي تشهده المنطقة، ألقى الضوء على هذه العلاقة الفاسدة.
إن بريطانيا في أمس الحاجة إلى الاستيقاظ على الواقع، القائل إن تسليح الطغاة في الخارج هو في نهاية المطاف نشاط أعمال بالغ السوء، ولا مستقبل له.