تشعل شرارات من ثورتي تونس ومصر، النيران هائلة على امتداد الشرق الأوسط، ولا يزال الوقت مبكرا للغاية على تحديد ما إذا كانت هذه النيران ستؤدي إلى تغيير في أنظمة أخرى، وأين يكون ذلك. ولكن على نحو ما بدا جليا في مصر، فإن تغييرا على هذا النطاق يطرح معضلات بالنسبة للغرب، وليبيا هي الآن الدولة التي يمكن أن تشكل الاختبار الأكثر صعوبة.
اندلعت الاشتباكات العنيفة التي شهدتها مدينة بنغازي في ليبيا، عقب إلقاء القبض على محام ليبي بارز، مما نزع حاجز الخوف من قلوب الليبيين من قمع السلطات الأمنية. وربما في وقت آخر كان يمكن لمثل هذه الواقعة أن يسدل عليها ستار الصمت، غير أنه على كل من جانبي ليبيا كان التونسيون والمصريون قد أظهروا بجلاء ما يمكن للناس العاديين القيام به، عندما يقررون أنهم قد نفد صبرهم وضاقوا ذرعا بما يواجهونه. فقد بادر مؤيدو المحامي الليبي فتحي تربل، إلى الخروج إلى الشوارع معربين عن مساندتهم له، وتشير التقارير التي أعقبت ذلك إلى أنه ربما تم إطلاق سراحه، وتزامن ذلك مع إطلاق سراح 100 سجين. لكن هذا التتازل من السلطات الليبية لم يهدئ الوضع، بل زاده اشتعالا، حيث اندلع المزيد من الاحتجاجات، وسقط العديد من القتلى في بعض المدن الليبية.
ومن سوء الطالع أن الولايات المتحدة وأوروبا ربما كانت أكثر ترددا مما ينبغي، في الإعراب عن تأييدهما بلا تردد لهؤلاء المحتجين. فالغرب على امتداد عقد من الزمان كان يحيي ليبيا باعتبارها حليفا له، ومضى البعض ممن جانبهم الصواب، إلى الاعتقاد الخاطئ بأنه بينما واصل الرئيس العراقي السابق صدام حسين مراكمة أسلحة الدمار الشامل مما أفضى به إلى أن يبعد بالقوة، فإن الرئيس الليبي معمر القذافي بادر إلى التخلي عن طموحاته النووية لكي يعود ببلاده إلى الساحة الدولية مجددا، كما وافق على منع المهاجرين من المغادرة إلى أوروبا انطلاقا من الشواطئ الليبية. وقد كوفئ على ذلك بضمانات أمنية وصفقات تجارية، وكان هناك قدر كبير من التهنئة المتبجحة، التي تدور حول كيف أن العالم أصبح مكانا أكثر أمنا.
ليبيا ليست تونس ولا الجزائر، وهناك من يرى أن اللجان الشعبية تقدم عناصر من الديمقراطية على مستوى الجذور، ولكن ما من شيء من هذا يطرح على مستوى يتجاوز المجتمعات المحلية هناك، ففي كل المجالات الأخرى تسيطر القيادة المركزية. وليس هناك من سبب يدعو لافتراض أن التغيير عندما يصل إلى ليبيا، كما يتحتم بالفعل أن يصل، سيقلب المكاسب الأمنية التي اعتمدت على كلمة قائد واحد. وعلى النقيض من ذك، فالحكومات الغربية ينبغي أن تثق بأن مزيدا من الحرية سيفيد باقي المنطقة كما يفيد الليبيين.
ويبدو أن السلطات الليبية قد دهشت حيال التصاعد السريع للاحتجاجات، بينما انطلقت جماعات من الشباب تستخدم الفيس بوك لتنظيم يوم غضب أخيرا، مما دفع السلطات الليبية إلى إغلاق الإنترنت، ومنع وصول بث بعض الفضائيات التي اتهمتها بالتحريض ضد الشرعية.
ويلفت النظر أن التلفزيون الرسمي الليبي عمد، في إطار محاولة للرد على المحتجين، إلى بث مشاهد لجماعات مؤيدة للحكومة في طرابلس وبنغازي، يترأسها الرئيس الليبي معمر القذافي نفسه، ويردد المتظاهرون فيها هتافات التأييد للقيادة الليبية، كما عمدت الحكومة إلى إطلاق سراح 110 سجناء ينتمون إلى الجماعة الليبية للقتال، في إطار أكبر عملية إفراج من نوعها قامت بها الحكومة في السنوات الأخيرة.. ومع ذلك يبقى المشهد مفتوحا على كل الاحتمالات.