تخلصت مصر من نظام الحكم القديم ورحل الفاسدون، ولا يشكل ذلك ضماناً بأن الديمقراطية سوف تتبعها، ولكنها تعتبر قفزة شجاعة نحو تحقيق ذلك الهدف، فقد عرفت الحشود التي تجمعت في شوارع القاهرة ومدن مصرية أخرى أنه لا يمكن أن يكون هناك أي تقدم ما دام النظام الذي ظل في الحكم ‬30 عاماً مازال باقياً، فالإصرار السلمي غير القابل للقهر، والذي فرض المتظاهرون من خلاله هذا المطلب يعد مصدر إلهام لمن يقدرون قيمة الديمقراطية وتحذيراً واضحاً لمن لا يقدرونها، كما تعتبر القوة المستمرة لهذه الحشود عاملاً حيوياً في التسوية السياسية التي ستبرز خلال الأيام المقبلة، في غضون ساعات من تنحي مبارك، اعترف الجيش الذي ورث السلطة مؤقتاً، بأن الإجماع الشعبي وحده يمكن أن يضفي شرعية على حكومة مصر المقبلة، وهذا يعتبر تنازلاً كبيراً.

صممت مصر على تغيير النظام، واستجاب قادة الجيش لإرادتها، وذلك يضفي مزيجاً من الثورة شعبية والانقلاب العسكري، فالتحرير هو مدعاة للاحتفال، ولكن دور الجيش يجب أن يخفف من الزخم العاطفي، سقطت المؤسسات السياسية والعسكرية المصرية في الفخ، فلم يكن هناك من الشخصيات ذوي الخلفية المدنية من قاد البلاد منذ تأسيس الجمهورية الحديثة في عام ‬1952.

تحظى المؤسسة العسكرية المصرية بالاحترام، وتعزز هذا الاحترام عندما اتخذ القادة العسكريون قرارات في وقت مبكر بعدم التحرك ضد المحتجين، لكن النشطاء المؤيدين للديمقراطية يدركون تماماً أن الجيش يتصرف في إطار مصالحه الخاصة، تماماً كما فعل عندما كان يدعم مبارك على امتداد جيل كامل.

هناك عدم تطابق جوهري بين نمط الحركة السياسية الممثلة في الناشطين في ميدان التحرير، وذلك النمط من الدولة التي يديرها رجال يحملون البنادق، والتناقض أبعد ما يكون بين وائل غنيم، المسؤول التنفيذي في شركة البالغ من العمر ثلاثين عاماً، الذي أصبحت صفحاته على موقع فيسبوك نقطة تجمع رقمية ضد الظلم، والمشير محمد حسين طنطاوي الذي يبلغ من العمر ‬75 عاماً، وهو رئيس المجلس العسكري الأعلى الذي يدير شؤون مصر الآن.

لا يوجد دليل حتى الآن على أن الجيش يعتزم التراجع عن التزاماته لتسهيل الانتقال إلى الحكم الشعبي، ولكن في غياب المؤسسات المدنية الناضجة، فإن الخوف من الفوضى قد يدفع بسهولة الجنرالات إلى استنتاج أن الديمقراطية مشروع طويل المدى ومن ثم تمديد المدة إلى أجل أبعد.

هناك موعد نهائي لتسليم السلطة، فقد أعلن الرئيس المصري السابق حسني مبارك، الذي تشبث يائساً بمنصبه، التزامه بإجراء انتخابات حرة في سبتمبر المقبل، فقد طال انتظار ذلك بالنسبة للمصريين، الذين أرادوا رحيله على الفور، ولكن أصبحت هناك حجج معقولة للتخطيط للانتخابات وفقاً لجدول زمني محسوب بدقة، يجب أن يتم تعديل الدستور وتفكيك الأجهزة القمعية في الدولة، وهناك سجناء سياسيون يجب أن يتم الإفراج عنهم، ويجب كذلك إلغاء قوانين الرقابة.

لقد أثبت المصريون شغفهم بحرية التعبير وحرية التظاهر على مدى الأيام الـ ‬18 الماضية، لكن عملية توجيه تلك النبضات في إطار سياسات حزبية ليس أمراً هيناً. والمعروف أن أكثر الجماعات المعارضة تنظيماً هم الإخوان المسلمون، الذين أثارت توجهاتهم العقائدية قلق الدبلوماسيين والسياسيين في الغرب، ورغم أن جماعة الإخوان المسلمين جزء مهم من الائتلاف المناهض لمبارك، فلا يوجد أي مؤشر على وجود مؤامرة أصولية لخطف الثورة، الإعلام التي تم رفعها في ميدان التحرير تحمل ألوان الجمهورية العلمانية، وكانت ترنيمة المتظاهرين هي النشيد الوطني المصري.