يمكن أن تكون العولمة أمراً حميداً. وخلال السنوات الـ22 التي مضت منذ سقوط سور برلين، تحرك 7٪ من سكان العالم و47 دولة إلى نور الديمقراطية، وذلك وفقا لتقرير منظمة بيت الحرية. وقد انضم 1,2٪ من سكان العالم في مصر، أخيراً، إلى العالم الحر.
كانت الجمعة الماضية لحظة كبيرة في تاريخ العالم. لا مفر من التطابق بين الانتفاضة التي حدثت في تونس، والتي ألهمت الثورة المصرية، وبين سقوط سور برلين، الذي أحدث سقوط قطع الدومينو في الكتلة الشيوعية السابقة. واليوم، فإن أحجار الدومينو للأنظمة في المنطقة تهتز، في أكثر من دولة. والأبعد نطاقاً من ذلك، تستمد الاضطرابات الشعبية المستمرة منذ فترة طويلة في الغابون، الواقعة في وسط إفريقيا، قوتها من النموذج المصري.
من السابق لأوانه القول كيف أن الطريقة التي يتم بها إسقاط الأنظمة المستبدة في المنطقة، ستترك تأثيرها على الشعوب، وليس بالمعنى الذي قصده «شو إنلاي» عندما قال إنه «من المبكر جداً» الحكم على أثر الثورة الفرنسية. لكن تجدر الإشارة إلى أن بعض حجج «البراغماتيين»، يبدو أنها على غير أساس. وفكرة أنه يصب في مصلحة الولايات المتحدة وأوروبا القيام بدعم الحكام المستبدين، خوفا من أن الديمقراطية سوف تطلق العنان للحركات المناهضة للغرب، لم تجد دليلاً يذكر بين الحشود في ميدان التحرير، على سبيل المثال.
بالطبع علينا أن نكون حذرين، ونعترف بأن مصر وتونس يمكن أن تنتكسا إلى الحكم الاستبدادي، ولكن سحراً تم إبطاله، ولن يكون من السابق لأوانه استخلاص بعض الدروس من الأحداث التي وقعت في الأسابيع الأخيرة.
في الواقع، لم يستمر النقاش حول نشر الديمقراطية لبعض الوقت بين البراغماتيين والمثاليين، ولكنه دار بين نمطين من «المثاليين». شدّد كل من رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير وإدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، على استخدام القوة العسكرية لإحلال الديمقراطية في العراق، وأبديا بشكل متفاخر، لامبالاة حيال استخدام التعذيب من قبل بعض الأنظمة في المنطقة، طالما أنها اعتبرت مجدية في تكثيف مكافحة الإرهاب. تعزّز شكل المثالية الأقل قوة الذي اعتمده الرئيس الأميركي باراك أوباما (رغم أنه لم يتم اختباره بعد)، من خلال الثورات في شمال إفريقيا. وقبل كل شيء، فإن إسقاط أصدقاء له بمثابة توبيخ لــ «بلير». فقد وجّه رئيس الوزراء البريطاني السابق، انتقاداً إلى الرئيس أوباما على خطابه في القاهرة في مايو 2009، باعتباره استرضاء لبعض الجماعات. ومع ذلك فقد تم تبرير حكم أوباما، ومن خلال التخلي عن الغطرسة الأميركية في الماضي، حوّل أوباما المواقف الشعبية تجاه الولايات المتحدة في مصر، وجعل من السهل على حركة المواطنين أن تكون تعبيراً إيجابياً عن الكبرياء الوطني، بدلاً من كونها سلبية مضادة للغرب.
الدرس الكبير يتمثل في أن الديمقراطيات في العالم، يمكن بشكل أفضل أن تساعد الشعوب التي لا تشارك في حرياتها، من خلال قوة القدوة «الناعمة»، والمعلومات والوعد بالرخاء والازدهار، بدلاً من القوة «الصلبة». والدور المتزايد لـ «فيسبوك» و«تويتر» والهواتف المحمولة في تعبئة الثورات، يعكس إلى حد كبير أهمية سهولة وصول الناس في البلدان غير الحرة إلى الأخبار، وثقافة وقيم العالم الحر. أما الدور الذي ألقي الضوء عليه بشكل أقل، فهو دور الضائقة الاقتصادية التي تمر بها بلدان شمال إفريقيا، وأمل شعوبها في التخلص من الأحكام العرفية وأحكام الطوارئ المستمرة لفترة طويلة، وأنهم سوف يتخلصون من الفساد وينعشون ازدهار السوق الحرة.
وعلى الرغم من أنه ستكون هناك نكسات على الطريق، فإن العالم أصبح، نتيجة البسالة في مصر وتونس، مكاناً أفضل وأكثر إذكاء للأمل.