يراقب المسؤولون السودانيون بقلق، موجة الاحتجاجات الطلابية في أنحاء الشمال السوداني، والمستوحاة غالباً من الاحتجاجات المصرية والتونسية. لكن تعامل الرئيس السوداني عمر البشير بشكل تصالحي مع أكثر القضايا الحاسمة التي تواجه البلاد حاليا، والمتمثلة في انفصال جنوب السودان كدولة مستقلة، عزز شعبيته وموقفه في الداخل والخارج.
في أحدث واقعة شهدها السودان على هذا الصعيد، تم تفريق حوالي 200 طالب في ولاية سنار، من قبل الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات، خلال الاحتجاجات التي جرت مؤخراً، بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمطالبة بالحقوق المدنية. وقامت شرطة مكافحة الشغب بقمع نحو عشر تظاهرات مماثلة، والتي أخذت شكل تظاهرات محدودة خلال الأيام الماضية. ولكن خلافا لما حدث في القاهرة، فقد أخفقت الاحتجاجات في الحصول على الدعم من السكان على نطاق أوسع. وبرز قلق الحكومة إزاء زيادة التوتر والتحريض من قبل طرفي الطيف المعارض، من خلال اعتقال عشرة صحافيين يعملون لدى صحيفة «الميدان» التابعة للحزب الشيوعي السوداني قبل الاحتجاجات. وقد جاء ذلك بعد اعتقال حسن الترابي وغيره من الكوادر القيادية.
وأدانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» استخدام الخرطوم «للقوة المفرطة» لإسكات معارضيها، وقالت في بيان لها إنه «يتعين على حكومة الخرطوم الحفاظ على الحقوق المنصوص عليها في الدستور، بدلاً من قمع الحريات الأساسية بعنف، والسماح بحرية التعبير السياسي، والسماح للصحافيين بحرية نقل الأحداث».
وينفي المسؤولون السودانيون الإفراط في الرد، ويصرون على أن السودان يحتفظ بنظام سياسي قوي متعدد الأحزاب.
وتعكس الإجراءات التي اتخذها الرئيس السوداني، مخاوف بشأن حالة عدم الاستقرار التي تؤثر على معظم أنحاء البلاد، بأكثر مما تعكس قلقاً على وضعه السياسي. وقد ظهرت التوترات الناشئة عن عملية الانفصال، في ولاية أعالي النيل السودانية، حيث حرضت حركة تمرد عسكري، ميليشيات جنوبية تابعة للقوات المسلحة الشمالية ضد رفاقهم السابقين. وأشارت التقارير إلى أن 50 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم في قتال بالدبابات والرشاشات الثقيلة، في ملكال عاصمة الولاية، وغيرها من المدن.
إن الانفجار المفاجئ للعنف، أبرز بشكل غير مباشر كيف يمكن للجنوب، الذي يعج بالأسلحة بعد عقود من الحرب الأهلية وبقدر قليل من المؤسسات أو البنية التحتية، أن يبرهن على أنه من الصعب حكمه، وعلى أنه جار خطير. وخلال زيارته لجوبا مؤخرا، شعر «جيمس شتاينبرغ»، نائب وزير الخارجية الأميركي، بأنه مجبر على حث قادة «الحركة الشعبية» على تنفيذ نظام التعددية الحزبية، وضمان حرية وسائل الإعلام، بدلاً من إقامة دولة الأمر الواقع ذات الحزب الواحد.
وقد شهدت الآونة الأخيرة تجدد القتال بين فصائل المتمردين في شمال دارفور، على الرغم من الوجود المكثف لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة هناك. فالقلق البالغ بشأن الاقتصاد السوداني، نتيجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية واستمرار غياب اتفاق بشأن تقاسم عائدات النفط مع الحكومة، قد ضاعف هموم الحكومة.
لكن في الوقت الذي كان يمكن أن تستغل هذه القضايا وغيرها كذريعة للعرقلة في ما يتعلق باستقلال الجنوب، قاوم البشير الإغراء، وقال في حديث له في التليفزيون الرسمي، قبيل الإعلان عن النتائج النهائية للاستفتاء الذي جرى الشهر الماضي، إن الخرطوم «ترحب وتقبل» بالتصويت الساحق من أجل استقلال الجنوب، وستتعاون مع جارتها الجديدة، على الرغم من عدم اليقين في ما يتعلق بما هو آتٍ.