في حين لم تتحدد بعدُ النتائج النهائية لتطورات الأحداث في بعض مناطق الشرق الأوسط، فإن حالة الاضطراب ومدى الاستجابة الرسمية لما يجري، أظهرا مجدداً قوة وسائل الإعلام الجديدة في تحريك الجماهير وتشكيل الأحداث.

وفي الوقت الذي يسود ارتياح للاعتقاد بأن وسائل الإعلام الجديدة تساعد على ترجيح كفة الميزان لصالح الديمقراطية، فإن الواقع يتسم بأنه أكثر تعقيداً. فالحكومات تترقب الآثار التي تخلفها التكنولوجيا الجديدة، وتعمل على تعطيلها. ويمكن استخدام هذه الأدوات للتحرير، بالسهولة نفسها التي تستخدم بها كأدوات للقمع.

يشير التصور الشعبي الكامن وراء الأحداث التي وقعت في تونس، مثلاً، إلى أن أدوات الشبكات الاجتماعية، مثل «تويتر» و«فيسبوك»، ساعدت على تنظيم وتسريع الاحتجاجات، وخلع الرئيس السابق زين العابدين بن علي، بعد ‬23 عاماً قضاها في منصبه. وقد تأججت تلك الاحتجاجات بفعل منابر إعلامية جديدة أخرى، مثل يوتيوب والجزيرة، وأشعلت احتجاجات في أماكن أخرى من العالم العربي. وأثارت تلك القدرة على التبليغ وتعبئة الرأي العام، الاعتقاد بأن التكنولوجيا الجديدة تمكّن الأفراد وتجلب الديمقراطية.

لكن من الأهمية بمكان أن نتذكر، رغم ذلك، أن التكنولوجيات ليست سوى أدوات، ويعتمد تأثيرها على من يستخدمونها، والاستخدام الذي سخرت من أجله. ففي حالات سابقة من الاهتياج الشعبي، احتجاجاً على السرقة المزعومة للانتخابات، أو غيرها من عوامل الاحتجاج والاضطرابات، ثبت أن الحكومات أكثر براعة في إخماد «الثورات» والاحتجاجات، واستخدمت وسائل الإعلام نفسها في تعقب المعارضين والمحتجين. ومع الوصول إلى البنية التحتية التي تسهّل الاتصال، يمكن للحكومات أن تتبع المسارات الرقمية وتحدّد البصمات الرقمية، وتقوم الشرطة باستخدام الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعي، لجمع أدلتها ضد الأفراد. فلم يعد صحيحاً أنه «على الانترنت، لا أحد يعرف أنك كلب»، وتعد هذه أدوات تتسم بالقدرة نفسها في التجسس. وتسمح الشبكات التلفزيونية ذات الدوائر المغلقة المنتشرة في كل مكان، لبعض الحكومات بعمل تغطية كاملة تقريباً في المناطق الحضرية. ويتيح برنامج التعرف على الوجه، للحكومات تتبع وتحديد هوية الأفراد من خلال مقطع فيديو، بطرق لم تكن في الحسبان منذ عقد من الزمان.

وبعض الحكومات يتخذ خطوات أخرى كذلك. ففي الصين، هناك قوة هائلة، يقدر أنها تصل إلى عشرات الألوف، تقوم بمراقبة الانترنت باستمرار، للتخلص من المواد الخطيرة أو المثيرة للشغب. وتشير تقارير إلى أن بعض البلدان يقوم بإنشاء قوات مكافحة، لتعقب وعرقلة الجماعات المنشقة.

ويشكك خبراء في أن أدوات التواصل تولد الاحتجاج في حقيقة الأمر، وليست هناك أدلة ملموسة على أن هذه الأدوات تدفع المواطنين السعداء إلى الشوارع. وهناك العديد من أشكال الاتصال خلال فترات الاضطرابات، وليس هناك دليل يذكر على أن ما ينشر على موقعي «تويتر» أو فيسبوك، أكثر فعالية من أي خطب شفوية. فلا يتم توليد الغضب الحقيقي من خلال كتابة ‬140 حرفاً.

هناك طريقة أخرى تشكّل بها وسائل الإعلام الاجتماعي المواقف، من خلال تسليط الضوء على الأحداث التي تقع خارج البلد الذي تقع فيه الأحداث. ويمكن للحكومات التي تتحكم في وسائل الإعلام، تجاهل الأحداث التي لا ترغب في إشاعتها، لدراسة الرأي العام أو صياغة التقارير بشأنه.

إن هذا أصعب بكثير، إن لم يكن مستحيلاً، عندما يتم تحميل مقطع فيديو عبر الهواتف المحمولة على شبكة الإنترنت، لنشرها في جميع أنحاء العالم. فهذا الاهتمام له تأثير، حيث يجبر الحكومات الأخرى على الاستجابة لتلك التطورات.